أي أنه - ﷿ - مالك ذلك اليوم، ومليكه، لا ملك في ذلك اليوم، ولا مالك سواه - ﵎ - فهو تعالى المالك لجميع الأعيان، المتصرف فيها، لا ينازعه أحد في مملوكاته.
وهو الملك الذي أمره ونهيه نافذ في جميع مملكته جل وعلا. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَاتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ
_________________
(١) انظر: «لسان العرب» مادة: (دين).
(٢) سورة الأنعام، الآية: ٧٣.
(٣) سورة الحج، الآية: ٥٦.
(٤) سورة الفرقان، الآية: ٢٦.
(٥) سورة غافر، الآية: ١٦.
(٦) سورة يس، الآية: ٨٢.
(٧) سورة طه، الآية: ١٠٨.
(٨) سورة هود، الآية: ١٠٥.
[ ٢٤٣ ]
وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (١).
وإنما أضاف «الملك» ليوم الدين، وخصه به، دون ملك أيام الدنيا، مع أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة، ومليكهما كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (٤)، لعظمة ذلك اليوم (٥)، وتفرده - تعالى - بنفوذ الأمر فيه حيث يظهر للخلائق تمام الظهور تفرده بالملك حقيقة، وتمام ملكه وعدله تعالى - وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق الدنيوية (٦).
تلك الأملاك التي خولها الله تعالى - من شاء كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (٧) وقال
_________________
(١) سورة النبأ، الآية: ٣٨.
(٢) سورة الليل، الآية: ١٣.
(٣) سورة طه، الآية: ١١٤، وسورة المؤمنون، الآية: ١١٦.
(٤) سورة الإسراء، الآية: ١١١، وسورة الفرقان، الآية: ٢.
(٥) أخرج مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها - الحديث ٢٨٥٨ - عن المستورد قال قال رسول الله - ﷺ -: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في أليم فلينظر بم يرجع» وأخرج الترمذي في الزهد - الحديث ٢٣٢٠ عن سهل بن سعد قال: قال رسول - ﷺ - «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء».
(٦) انظر «معالم التنزيل» ١: ٤٠، «زاد المسير» ١: ١٣، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٣، «مجموع الفتاوى» ٦: ٢٦٦، «البحر المحيط» ١: ٢٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٥١، «أنوار التنزيل» ١: ٨، «تفسير الكريم الرحمن» ١: ٣٥.
(٧) سورة آل عمران، الآية: ٢٦.
[ ٢٤٤ ]
تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).
وهذه الأملاك الدنيوية، ملوكها وما ملكوا ملك له - جل وعلا -. ولهذا حرم أن يتسمى بملك الأملاك، لأن الله - ﷿ - هو مالك الأملاك كلها ولهذا قال - ﷺ - في حديث أبي هريرة: «أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بملك الأملاك» (٤).
وكثير من هؤلاء الملوك خارجون عن طاعته - جل وعلا - مبارزون له في المعصية كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٥) أي ملك عاص لله ظالم للعباد. بل كثير منهم يحكمون ممالكهم بغير حكم الله، ويظلمون عباد الله، ويتخوضون في مال الله بغير ما يرضي الله.
وقد حكم الله ﵎ وقضى بزوال هذه الأملاك، ورجوع الملك له وحده في ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢٤٧.
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤٧.
(٣) سورة المائدة، الآية: ٢٠.
(٤) أخرجه البخاري في الأدب - باب أبغض الأسماء إلى الله - الحديثان ٦٢٠٥، ٦٢٠٦، ومسلم في الآداب - تحريم التسمي بملك الأملاك، الحديث ٢١٤٣.
(٥) سورة الكهف، الآية: ٧٩.
[ ٢٤٥ ]
عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ (٢)، وذلك هو الملك الحقيقي، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٧).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - «يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» (٨).
وعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «يطوي الله - ﷿ - السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين
_________________
(١) سورة مريم، الآية: ٤٠.
(٢) سورة الحجر، الآية: ٢٣.
(٣) سورة الأنعام، الآية: ٧٣.
(٤) سورة الحج، الآية: ٥٦.
(٥) سورة الفرقان، الآية: ٢٦.
(٦) سورة غافر، الآية: ١٦.
(٧) سورة الانفطار، الآية: ١٩.
(٨) أخرجه البخاري في التفسير - باب ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الحديث ٤٨١٢، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم - كتاب صفة الجنة - الحديث ٢٧٨٧.
[ ٢٤٦ ]
المتكبرون؟» (١).
بل إن ذلك اليوم هو اليوم الحقيقي، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا﴾ (٢).
فمجيئه حق، وفيه يظهر الحق تمام الظهور، وهو اليوم الذي يستحق أن يعمل له، وأن يحسب له كل حساب لا أيام الدنيا بل ولا الدنيا كلها.
ولهذا نجد القرآن الكريم كثيرًا ما يقرن بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بهذا اليوم «اليوم الآخر» لأنه أكبر حافز على الاستعداد بالأعمال الصالحة (٣).
وقد روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى»: أي إن ذلك اليوم أعظم مانع للناس من التهالك في الشر والمعاصي.
وتلك الدار هي الدار الحقة، وتلك الحياة هي الحياة الحقيقة، قال الله - تعالى-: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤).
لهذا كله أضاف الله ﵎ - الملك إلى يوم الدين، إضافة
_________________
(١) أخرجه مسلم في الموضع السابق الحديث ٢٧٨٨.
(٢) سورة النبأ، الآية: ٣٩.
(٣) انظر: «تيسير الكريم الرحمن» ١:٤٤.
(٤) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.
[ ٢٤٧ ]
إلى أن في قوله قبل هذا: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ما يدل على أنه مالك الدنيا (١).
قال ابن كثير (٢): «وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة ».
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه الآية هي الآية الرابعة من الفاتحة، نصفها للرب - جل وعلا -، ونصفها للعبد كما قال الله - ﷿ - في حديث أبي هريرة: «فإذا قال العبد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل » فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ للرب ﵎ - مع ثلاث آيات قبلها، وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للعبد، مع ثلاث آيات بعدها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: فهذا تفصيل لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
_________________
(١) انظر: «زاد المسير» ١: ١٣.
(٢) في «تفسيره» ١: ٥١.
(٣) في «مجموع الفتاوى» ١: ٨٩.
[ ٢٤٨ ]
إشارة إلى ما اقتضته الربوبية، من التوكل والتفويض والتسليم».
و﴿إِيَّاكَ﴾ في الموضعين ضمير بارز منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده أو «إيا» ضمير مبني في محل نصب مفعول به والكاف حرف خطاب، لا محل له من الإعراب. وهذا مذهب الأخفش، واختاره الزمخشري، وقال: «وعليه المحققون» (١).
وقُدم المفعول «إياك» على الفعل فى الموضعين للاهتمام (٢)، ولئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود (٣)، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ (٤)، وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ (٥)، ولئلا يتقدم ذكر الاستعانة والمستعين على المستعان به- جل وعلا كقوله -تعالى: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (٦).
وقُدم أيضًا لإفادة الحصر والاختصاص، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر (٧) والاختصاص (٨)، لأن في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تحقيق لمعنى «لا إله إلا الله»، ففي تقديم المعمول
_________________
(١) في «الكشاف» ١: ٩، وانظر «معالم التنزيل» ١: ٤١، «البحر المحيط» ١: ٢٣، «أنوار التنزيل» ١: ٩، «الجدول في إعراب القرآن» ١: ١٩.
(٢) انظر: «المحور الوجيز» ١: ٧٥، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥، «مدارج السالكين» ١: ١٠٢ - ١٠٣، «البحر المحيط» ١: ٢٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٢.
(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥، «مدارج السالكين» ١: ١٠٢.
(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.
(٥) سورة الزمر، الآية:٦٤.
(٦) سورة التوبة، الآية: ٥١.
(٧) الحصر هو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.
(٨) انظر: «الكشاف» ١: ٩.
[ ٢٤٩ ]
إياك» في الموضعين نفي للعبادة عن الغير الله، ونفي للاستعانة بغيره.
وفي قوله: «نعبد» و«نستعين» إثبات العبادة والاستعانة له سبحانه.
قال ابن القيم - ﵀ - في «مدارج السالكين» (١): «فهو في قوة لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك. . مع أن في ضمير «إياك» الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل، ففي «إياك» قصدت وأحببت من» الدلالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك: «قصدتك وأحببتك. .»
وكرر الضمير «إياك» مرة أخرى للاهتمام (٢)، ولأن ذلك أفصح (٣).
قال ابن القيم (٤): وفي إعادة «إياك» مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل من الفعلان، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه فإذا قلت لملك مثلا: «إياك احب، وإياك أخاف وإياك أخاف» كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره ما ليس في قوله: «إياك أحب وأخاف».
وفي قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد الآيات الثلاث التفات من الغيبة إلى الخطاب كقوله - تعالى -
_________________
(١) ١: ١٠٢.
(٢) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٧٥، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥.
(٣) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٦٤.
(٤) في «مدارج السالكين» ١: ١٠٣، وانظر: «التفسير القيم» ص٦٨، «البحر المحيط» ١: ٢٥.
[ ٢٥٠ ]
﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا *إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ (١)
وعكسه قوله - تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٢).
والغرض العام من الالتفات في جميع المواضع التي ورد فيها هو تنبيه القارئ والمستمع لأن انتقال الكلام من الغيبة إلى الخطاب أو التكلم أو العكس ونحو ذلك مما بنيه القارئ والمستمع، وأدعى للصفاء، وأبعث على النشاط (٣)، بخلاف ما إذا جاء الكلام على وتيرة واحدة، فإن القارئ أو المستمع قد يغفل أو يمل.
وهناك غرض خاص في كل التفات بكل موضع بحسبه، وقد يكون هذا الغرض ظاهرًا كما في قوله -تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٤). ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ (٥) فقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ التفات للخطاب بعد الغيبة في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾.
والغرض من مجيء الكلام أولا بضمير الغيبة كراهية مواجهة الرسول - ﷺ - بذلك فلم يقل: «عبست وتوليت أن جاءك الأعمى». بينما خاطبه مواجهة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ إذ لا غضاضة، ولا
_________________
(١) سورة الإنسان، الآيتان: ٢١ - ٢٢، انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥، «البحر المحيط» ١: ٢٤.
(٢) سورة يونس، الآية: ٢٢.
(٣) انظر: «الكشاف» ١: ١٠.
(٤) سورة عبس، الآية: ١ - ٢.
(٥) سورةة عبس، الآية: ٣.
[ ٢٥١ ]
محذور في مواجهة الرسول - ﷺ - بهذا الخطاب، لأنه - ﷺ - لا يعلم الغيب قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١).
واختلف في الغرض الخاص من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد الآيات الثلاث قبلها.
فقد قيل إنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى- فلهذا قال:: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.﴾ (٢)
وقيل: لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء والعبادة والاستعانة، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. أي: (إياك) يا من هذه صفاته يخص بالعبادة والاستقامة (٣). والله أعلم.