نستعينه، إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه »
ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (١) أن الإنسان بين هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة: إما أن يأتي بهما جميعًا، وإما أن يأتي بالعبادة فقط، وإما أن يأتي بالاستعانة فقط، وإما أن يتركهما جميعًا.
٢٩ - دل قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أن العبد لا ينفك عن العبودية حتى الموت كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢). أي حتى الموت، ولهذا قال الله تعالى عن أهل النار إنهم يقولون: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (٣). أي الموت وهذا بإجماع المفسرين المعتبرين.
وفي الحديث الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون - ﵁ -:أن النبي - ﷺ - قال «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» (٤):أي الموت وما فيه.
وفي هذا الرد على الخرافيين من الصوفية الذين يزعمون أن الواحد
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» ١٤: ٨، ١٠، ٣٦ وانظر: ١: ٣٦، وانظر «مدارج السالكين» ١: ١٠٣ - ١٠٧
(٢) سورة الحجر، الآية ٩٩
(٣) سورة المدثر، الآية:٤٦ - ٤٧
(٤) أخرجه البخاري في الجنائز - الحديث ١٢٤٣، وفي مناقب الأنصار الحديث ٣٩٢٩
[ ٣٢٠ ]
منهم قد يصل إلى مقام يسقط عنه التعبد والتكليف. ويفسرون اليقين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ بأنه وصول المرء إلى أعلى المقامات، وهو سقوط التكليف، وكونه لا يسأل عما يفعل.
قال ابن القيم (١).-﵀-» فلا ينفعك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لمَّا يسأله الملكان: "من كان يعبد؟ وما يقوله في رسول الله - ﷺ - ويلتمسان من الجواب". وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون، لا يستطيعون السجود فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب أنقطع التكليف هناك، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفسهم، لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا. ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله وبرسوله، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله، والانسلاخ من دينه، بل وكلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم والواجب عليه منها أكبر وأكبر من الواجب على من دونه، ولهذا كان الواجب على رسول الله - ﷺ - بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولى العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته».