٣٤ - في نسبة العبادة والاستعانة إلى العباد في قوله (نعبد) (ونستعين) دليل على أن ذلك من فعلهم، وأن لهم على ذلك قدرة واختيارًا ومشيئة، وأن العبد حقيقة هو العابد والمستعين، والله هو المعبود مجبور على أفعاله (١).قال بعض السلف من أقر بـ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقد برئ من الجبر والقدر (٢).
٣٥ - في تقديم قوله -تعالى- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ دلالة على أن من آداب الدعاء والسؤال أن يقدم السائل بين يدي سؤاله ما يكون سببًا للإجابة من الحمد الله الثناء عليه وتمجيده، وإعلان إخلاص العبادة له، والاستعانة به، والبراءة من الشرك ومن الحول والقوة، ثم يسأل حاجته الدينية أو الدنيوية (٣).
ومثل ذلك أن يقدم بين يدي سؤاله الاعتراف بالخطأ والذنب كما قال الأبوان ﴿رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ
_________________
(١) انظر تفسير الطبرى ١٦٨ - ١٦٣ - ١٦٢ - مدارج السالكين ٩٢:١ التفسير القيم ص ٥٦ البحر المحيط ٢٥:١
(٢) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢٣:١
(٣) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢٣: ١
[ ٣٢٣ ]
الْخَاسِرِينَ﴾ (١).
وقال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٢).
وقال ذو النون: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) ومثل ذلك، لأن السائل شدة حاجته كما قال موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٤).
ويتفرع عن هذه الفائدة أنه يقدم بين يدي سؤاله ما يكون سببًا للإجابة كالثناء عليه والدعاء له وذكر السائل شدة حاجته قال الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا كفاه من تعرضه الثناء (٥)
قال ابن القيم (٦) ولما كان سؤال الله الهداية إلى صراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب: علم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم فهاتان وسيلتان إلى مطالبهم. وتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته. وهاتان الوسيلتان، ولا يكاد يرد
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٣
(٢) سورة القصص الآية:٢٤
(٣) سورة الأنبياء، الآية:٨٧
(٤) سورة القصص الآية:٢٤
(٥) انظر «تفسير أبن كثير» ٥٤:١
(٦) في مدارج السالكين ٤٧ - ٤٦:١ وأنظر التفسير القيم ص ٢٣ - ٢٤
[ ٣٢٤ ]
معهما الدعاء، ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم.
أحدهما: حديث بريدة قال: «سمع النبي - ﷺ - رجلا يدعو ويقول: اللهم أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. فقال «والذي نفسي بيده، لقد سأل باسمه العظم، الذي دعي به أجاب وإذا سئل أعطى» (١).
والثاني: حديث أنس أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يدعو: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال: لقد سأل الله باسمه الأعظم» (٢).
ففي هذين الحديثين توسل إلى الله بتوحيده وأسمائه وصفاته. قال ابن القيم (٣): «وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين، وهما: التوسل
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة - باب الدعاء الحديث ١٤٩٣، والنسائي في الصلاة، باب الدعاء الحديث ١٣٢٤، والترمذي في الدعوات باب الجامع الحديث ٣٤٧٥ وابن ماجه في الدعاء باب أسم الله الأعظم الحديث ٣٨٥٧، وأحمد وابن حبان ٨٨٨، ٨٨٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وكذا صححه الألباني
(٢) أخرجه أبو داود وفي الباب السابق الحديث ١٤٩٥، والنسائي في الباب السابق الحديث وابن ماجه في الباب السابق الحديث ١٣٢٦، وأبن حيان الحديث ٨٩٠ والحاكم ١: ٥٠٣ - ٥٠٤ وصححه ووافقه الذهبي وكذا صححه الألباني
(٣) في «مدارج السالكين» ١: ٤٦: ٤٧
[ ٣٢٥ ]