اخْتلف النَّاس فِي وجود الْجِنّ وَالشَّيَاطِين، [فَمن النَّاس من أنكر الْجِنّ وَالشَّيَاطِين] . وَاعْلَم أَنه لَا بُد أَولا من الْبَحْث عَن مَاهِيَّة الْجِنّ وَالشَّيَاطِين؛ فَنَقُول: أطبق الْكل على أَنه لَيْسَ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين عبارَة عَن أشخاص جسمانية كثيفة، تَجِيء وَتذهب؛ مثل النَّاس والبهائم؛ بل القَوْل المحصل فِيهِ قَولَانِ:
الأول: أَنَّهَا أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مُخْتَلفَة، وَلها عقول وأفهام، وقدرة على أَعمال صعبة شاقة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن كثيرا من النَّاس أثبتوا أَنَّهَا موجودات غير متحيزة، وَلَا حالّة فِي
[ ١ / ١١١ ]
المتحيز، وَزَعَمُوا أَنَّهَا موجودات مُجَرّدَة عَن الجسمية.
ثمَّ إِن هَذِه الموجودات قد تكون عالية مُقَدَّسَة عَن تَدْبِير الْأَجْسَام [بِالْكُلِّيَّةِ]؛ وهم الْمَلَائِكَة المقربون - ﵈ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته وَلَا يستحسرون﴾ [الْأَنْبِيَاء: ١٩] .
ويليها مرتبَة الْأَرْوَاح الْمُتَعَلّقَة بتدبير الْأَجْسَام، وَأَشْرَفهَا حَملَة الْعَرْش؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ [الحاقة: ١٧] .
والمرتبة الثَّالِثَة: مَلَائِكَة الْكُرْسِيّ.
والمرتبة الرَّابِعَة: مَلَائِكَة السَّمَوَات طبقَة بطبقة.
والمرتبة الْخَامِسَة: مَلَائِكَة كرة الْأَثِير.
والمرتبة السَّادِسَة: مَلَائِكَة الْهَوَاء الَّذِي هُوَ فِي طبع النسيم.
والمرتبة السَّابِعَة: مَلَائِكَة كرة الزَّمْهَرِير.
والمرتبة الثَّامِنَة: مرتبَة الْأَرْوَاح الْمُتَعَلّقَة بالبحار.
والمرتبة التَّاسِعَة: مرتبَة الْأَرْوَاح الْمُتَعَلّقَة بالجبال.
والمرتبة الْعَاشِرَة: مرتبَة الْأَرْوَاح السفلية المتصرفة فِي هَذِه الْأَجْسَام النباتية والحيوانية الْمَوْجُودَة فِي هَذَا الْعَالم.
وَاعْلَم أَنه على كلا الْقَوْلَيْنِ؛ فَهَذِهِ الْأَرْوَاح قد تكون مشرقة الْهَيْئَة، خيرية سعيدة؛ وَهِي الْمُسَمَّاة بالصالحين من الْجِنّ، وَقد تكون كدرة سفلية شريرة شقية، وَهِي الْمُسَمَّاة بالشياطين.
وَاعْلَم أَن الْقُرْآن وَالْأَخْبَار يدلان على وجود الْجِنّ وَالشَّيَاطِين:
أما الْقُرْآن فآيات: مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ صرفنَا إِلَيْك نَفرا من الْجِنّ يَسْتَمِعُون الْقُرْآن فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصتُوا فَلَمَّا قضي ولوا إِلَى قَومهمْ منذرين قَالُوا يَا قَومنَا إِنَّا سمعنَا كتابا أنزل من بعد مُوسَى مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ يهدي إِلَى الْحق﴾ [الْأَحْقَاف: ٢٩ و٣٠]، وَهَذَا نَص على وجودهم، وعَلى أَنهم سمعُوا الْقُرْآن، وعَلى أَنهم أنذروا قَومهمْ.
وَقَوله: ﴿وَاتبعُوا مَا تتلوا الشَّيَاطِين على ملك سُلَيْمَان﴾ [الْبَقَرَة: ١٠٢] .
وَقَوله: ﴿يعْملُونَ لَهُ مَا يَشَاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾ [سبأ: ١٣] .
وَقَوله: ﴿وَالشَّيَاطِين كل بِنَاء وغواص وَآخَرين مُقرنين فِي الأصفاد﴾ [ص: ٣٧ و٣٨] .
[ ١ / ١١٢ ]
وَقَوله: ﴿ولسليمان الرّيح﴾ إِلَى قَوْله: ﴿وَمن الْجِنّ من يعْمل بَين يَدَيْهِ بِإِذن ربه)
[سبأ: ١٢] .
وَقَوله: ﴿يَا معشر الْجِنّ وَالْإِنْس إِن اسْتَطَعْتُم أَن تنفذوا﴾ [الرَّحْمَن: ٣٣] .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بزينة الْكَوَاكِب وحفظا من كل شَيْطَان مارد﴾ [الصافات: ٦ و٧] . وَأما الْأَخْبَار فكثيرة مِنْهَا:
مَا روى مَالك فِي " الْمُوَطَّأ "، عَن صَيْفِي بن أَفْلح، عَن أبي السَّائِب مولى هِشَام ابْن زهرَة، أَنه دخل على أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: فَوَجَدته يُصَلِّي، فَجَلَست أنتظره حَتَّى يقْضِي صلَاته، قَالَ: فَسمِعت تحريكا تَحت سَرِيره فِي بَيته، فَإِذا حَيَّة، ففرت ففهمت أَن أقتلها، فَأَشَارَ أَبُو سعيد: أَن اجْلِسْ، فَلَمَّا انْصَرف من صلَاته، أَشَارَ إِلَى بَيت فِي الدَّار، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا الْبَيْت؟ قلت نعم، قَالَ: إِنَّه كَانَ فِيهِ فَتى قريب عهد بعرس، وسَاق الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ: فَرَأى امْرَأَته واقفة بَين النَّاس. فَهَيَّأَ الرمْح؛ ليطعنها؛ بِسَبَب الْغيرَة، فَقَالَت امْرَأَته: ادخل بَيْتك لترى، فَدخل [بَيته] فَإِذا هُوَ بحية على فرَاشه، فَرَكزَ فِيهَا الرمْح، فاضطربت الْحَيَّة فِي رَأس الرمْح وخر الْفَتى، فَمَا يدرى أَيهمَا كَانَ أسْرع موتا: الْفَتى أم الْحَيَّة؛ فسألنا رَسُول الله - ﷺ - فَقَالَ: " إِن بِالْمَدِينَةِ جنا قد أَسْلمُوا، فَمن بدا لكم مِنْهُ فأذنوه ثَلَاثَة أَيَّام، فَإِن عَاد فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ شَيْطَان ".
[ ١ / ١١٣ ]
وروى فِي " الْمُوَطَّأ "، عَن يحيى بن سعيد، قَالَ: لما أسرِي برَسُول الله - ﷺ - رأى عفريتا من الْجِنّ يَطْلُبهُ بشعلة من نَار، كلما الْتفت رَآهُ، فَقَالَ جِبْرِيل - ﵊ - أَلا أعلمك كَلِمَات إِذا قلتهن طفئت شعلته، قل: " أعوذ بِوَجْه الله الْكَرِيم، وبكلماته التامات اللَّاتِي ذَرأ فِي الأَرْض لَا يجاوزهن بر وَلَا فَاجر، من شَرّ مَا ينزل من السَّمَاء، وَمن شَرّ مَا يعرج فِيهَا، وَمن شَرّ مَا نزل إِلَى الأَرْض، وَشر مَا يخرج مِنْهَا، وَمن شَرّ فتن اللَّيْل وَالنَّهَار، وَمن شَرّ طوارق اللَّيْل وَالنَّهَار، إِلَّا طَارِقًا يطْرق بِخَير يَا رَحْمَن ".
وروى مَالك - أَيْضا - فِي " الْمُوَطَّأ " أَن كَعْب الْأَحْبَار كَانَ يَقُول: أعوذ بِوَجْه الله الْعَظِيم، الَّذِي لَيْسَ شَيْء أعظم مِنْهُ، وبكلمات الله التامات الَّتِي لَا يجاوزهن بر وَلَا فَاجر، وبأسمائه كلهَا مَا قد علمت مِنْهَا، وَمَا لم أعلم، من شَرّ مَا خلق وذرأ وبرأ.
وروى مَالك أَيْضا فِي الْمُوَطَّأ، أَن خَالِد بن الْوَلِيد، قَالَ: يَا رَسُول الله، إِنِّي [أروّع] فِي مَنَامِي، فَقَالَ: قل: " أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من غَضَبه، وعقابه، وَشر
[ ١ / ١١٤ ]
عباده، وَمن همزات الشَّيَاطِين، وَأَن يحْضرُون ".
وَخبر خُرُوج النَّبِي - ﷺ - لَيْلَة الْجِنّ، وقراءته عَلَيْهِم، ودعوته إيَّاهُم إِلَى الْإِسْلَام.
وروى القَاضِي أَبُو بكر فِي " الْهِدَايَة " أَن عِيسَى ﵊ دَعَا ربه أَن يرِيه مَوضِع الشَّيْطَان من بني آدم، فَأرَاهُ ذَلِك، فَإِذا رَأسه [مثل رَأس الْحَيَّة، وَاضع رَأسه] على قلبه، فَإِذا ذكر الله تَعَالَى، [خنس]؛ وَإِذا لم يذكرهُ، وضع رَأسه على حَبَّة قلبه.
وَقَالَ - ﵊ -: " إِن الشَّيْطَان ليجري من ابْن آدم مجْرى الدَّم ".
وَقَالَ: " وَمَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَله شَيْطَان " قيل: وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله، قَالَ: " وَلَا أَنا، إِلَّا أَن الله تَعَالَى أعانني عَلَيْهِ فَأسلم " وَالْأَحَادِيث كَثِيرَة.