أمر بترك الإغواء والإضلال وإضلال الغير له طريقان:
أحدهما: أن يكون لغير قد سمع دَلاَئِلَ الحق، فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش دلائل الحقّ عليه بالشبهات.
والثاني: أن تخفي تلك الدَّلائل عنه، وتمنعه من الوصول إليها فقوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾ إشارة إلى الأول، وقولهك ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ إشارة إلى الثاني.
والباء في قوله: «بالباطل» للإلصاق كقولك: «خلطت المَاءَ باللَّبَنِ»، أي: لا تخلطوا الحقّ بالباطل، فلا يتميز.
وقال «الزمخشري»: إن كانت صلةً مثلها في قولك: ليست الشيء بالشَّيء، وخلطته به كان المعنى: ولا تَكْتُبُوا في التوراة ما ليس فيها فَيَخْتَلِطَ الحق المنزّل بالباطل الذي كتبتم.
وإن كانت «باء» الاستعانة كالتي في قولك: «كتبت بالقَلَمِ» كان المعنى: ولا تجعلوا الحقَّ مشتبهًا بباطلكم الذي تكتبونه.
فأجاز فيها وجهين كما ترى، ولا يريد بقوله «صِلَة: انها زائدة، بل يريد أنها موصلة للفعل كا تقدم.
وقال» أبو حيان «:» وفي جعله إياها للاستعانة بُعْد، وصرف عن الظاهر من غير ضرورة «، ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحق؟
وقال ابن الخطيب: [إنها» باء «الاستعانة] . والمعنى: ولا تلبسوا الحَقّ بسبب الشبهات التي تُورِدُونَهَا على السَّامعين، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصًا خفيةً يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كاناو يُجَادلون فيها، ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بإلقاء الشبهات، فهذا هو المراد بقوله: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل﴾، فهو المذكور في قوله: ﴿وَجَادَلُوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ [غافر: ٥] .
و» اللَّبْسُ «: الخَلْط والمَزْج؛ لقوله: لَبَسْتُ عليه الأمر أَلْبِسُهُ خَلَطْتُ بَيِّنَهُ بمُشْكِلِهِ؛ ومنه قوله الخَنْسَاءِ: [البسيط] .
٤٣٦ - تَرَى الجَلِيسَ يَقُولُ الحَقَّ تَحْسَبُهُ رُشْدًا وَهَيْهَاتَ فَانْكُرْ مَا بِهِ الْتَبَسَا
صَدِّقْ مَقَالَتَهُ وَاحْذَرْ عَدَاوَتَه وَالْبِسْ عَلَيْهِ أُمُورًا مِثْلَ مَا لَبَسَا
[ ٢ / ٢٠ ]
وقال العَجَّاج: [الرجز]
٤٣٧ -[لَمَّا لَبَسْنَ الحَقَّ بِالتَّجَنِّي غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي]
ومنه أيضًا: [البسيط]
٤٣٨ - وَقَدْ لَبَسْتُ لِهَذَا الأَمْرِ أَعْصُرَهُ حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ فَاشْتَعَلا
وفي فلان مَلْبَسٌ، أي مستمتع؛ قال: [الطويل]
٤٣٩ - أَلاَ إِنَّ بَعْدَ العُدْمِ لِلْمَرْءِ قُنْوَةً وَبَعْدَ المَشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا
وقول الفَرَّاء وغيره: [الكامل]
٤٤٠ - وَكتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتِبَةٍ حَتَّى إِذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدِي
يحتمل أن يكون منه، وأن يكون من» اللِّبَاس «، والآية الكريمة تحتمل المعنيين، أي: لا تغطّوا الحق بالباطل.
ولبس الهَوْدَج والكعبة: ما عليهما من» لِبَاس «بكسر اللام ولِبَاسُ الرجل زوجته، وزوجها لِبَاسُهَا. قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال النابغة: [المتقارب]
٤٤١ - إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكَانَنْ لِبَاسَا
و«اللَّبُوس»: كل ما يُلْبَس من ثياب ودرع؛ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ولاَبَسْتُ فلانًا حتى عرفت باطنه.
و«الباطل»: ضد الحق، وهو الزائل؛ كقول لَبِيدٍ: [الطويل]
٤٤٢ - أَلاَ كُلٌّ شَيْءٍ مَا خَلاَ الله بَاطِلُ ويقال: بَطَلَ الشيءُ يَبْطُلُ بُطُولًا وبُطْلًا وبُطْلانًَا.
[ ٢ / ٢١ ]
و«البَطَل»: الشّجاع، سمي بذلك؛ لأنه يبطل شجاعة غيره.
وقيل: لأنه يبطل دمه فهو «فَعَل» بمعنى «مفعول» .
وقيل: لأنه يبطل دم غيره فهو بمعنى «فاعل» . وقد بَطُلَ بالضَّم يَبْطُلُ بُطُولًا وبَطَالَةً، أي: صار شجاعًا؛ قال النابغة: [البسيط]
٤٤٣ - لَهُمْ لِوَاءُ بِكَفِّيْ مَاجِدٍ بَطَلٍ لاَ يَقْطَعُ الخَرْقَ إلاَّ طَرْفُهُ سَامِي
وبَطَل الأجيرُ بالفتح بِطَالة بالكَسْر: إذا تعطَّل، فهو بَطَّال، وذهب دمه بُطْلًا بالضم أي: هدرًا.
فصل في المراد من قوله تعالى: «الحق بالباطل»
اختلفوا في المراد من قوله: «الحَقّ بِالبَاطِلِ» فروي عن «ابن عباس» وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحَقّ في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل.
وقال «أبو العالية»: قالت اليَهُود: محمد بمعوثٌ ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثته حق، وجحدهم أه بعث اليهم باطل.
وقال «مجاهد»: لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام.
قوله: «وَتَكْتمُوا الحَقّ» فيه وجهان:
أحدهما، وهو الأظهر: أنه مجزوم بالعَطْفِ على الفعل قبله، نَهَاهم عن كل فعل على حِدَتِهِ، أي: لا تفعلوا هذا ولا هذا.
والثاني: أنه منصوب بإضمار «أن» في جواب النهي بعد «الواو» التي تقتضي المعية، أي: لا تجمعوا بين لَبْسِ الحق بالباطل وكِتْمَانه، ومنه: [الكامل]
٤٤٤ - لا تَنْهَ عَنْ خُلُقِ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ
و«أن» مع ما في حيّزها في تأويل مصدر، فلا بد من تأويل الفعل الذي قبلها
[ ٢ / ٢٢ ]
بمصدر أيضًا ليصبح عطف [الاسم] على مثله، والتقدير: لا يكن منكم لَبْس الحق بالباطل وكتمانه، وكذا سائر نظائره.
وقال «الكوفيون»: منصوب ب «واو» الصرف، وقد تقدم معناه، والوجه الأول أحسن؛ لأنه نهي عن كل فعل على حِدَتِهِ، وأما الوجه الثاني فإنه نهي عن الجمع، ولا يلزم من النَّهْي عن الجمع بين الشَّيئين النهي عن كل واحد حِدَتِهِ إلا بدليل خارجي.
فصل في المراد بالكتمان
قال «ابن عبَّاس»: يعني كتمانهم أمر النبي ﷺ َ وهم يعرفونه.
وقال «محمد بن سِيرِينَ»: نزل عصابة من ولد هَارُونَ ب «يثرب» لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العَدُوْ عليهم، وتلك العصابة هم حَمَلَةُ التوراة يومئذ، فأقاموا ب «يثرب» يرجون أن يخرج محمد ﷺ َ بين ظَهْرَانيهم، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته، فمضى أولئك الآباء، وهم مؤمنون، وخلف الأبناء وأبناء الأبناء، فأدركوا محمدًا ﷺ َ فكفروا به وهم يعرفون، وهو معنى قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] .
قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحَالِ، وعاملها: إما «تلبسوا» أو «تكتموا» إلاّ أن عمل «تكتموا» أولى لوجهين:
أحدهما: أنه أقرب.
والثاني: أن كتمان الحَقّ مع العلم به أبلغ ذمًّا، وفيه نوع مقابلة.
ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال؛ لأنه يستدعي الإضمار، ولا يجوز إضمار الحال؛ لأنه لا يكون إلا نكرةّ، ولذلك منعوا الإخبار عنه ب «الذي» .
فإن قيل: تكون المسألة من باب الإعمال على معنى أنا حذفنا من الأوّل ما أثبتناه في الثاني من غير إضمار، حتى لا يلزم المَحْظور المذكور، والتتقدير: ولا تلبسوا الحق بالباطل وأنتم تعلمون، ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون.
فالجواب: أن هذا لايقال: فيه إعمال، لأن الإعمال يستدعي أن يضمر في المهمل، ثم يحذف.
وأجاز «ابن عطيَّة» ألا تكون هذه الجملة حالًا، فإنه قال: «ويحتمل أن تكمون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد ﵊ ُ، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق، فعلى هذا لا تكون الجُمْلة في موقع الحال» . وفيما قاله نظر.
[ ٢ / ٢٣ ]
وقرىء شاذًا: «وَتَكْتُمُونَ» بالرفع، وخرجوها على أنها حَالٌ، وهذا غير صحيح؛ لأنه مضارع مثبت فمن حقه ألا يقترن بالواو، وما ورد من ذلك، فهو مؤول بإضمار متبدأ قبله، نحو: «قُمْتُ وأَصُكُّ عَيْنَهُ»، وقول الآخر: [االمتقارب]
٤٤٥ - فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ نَجَوْتُ وأرْهَنُهُمْ مَالِكَا
أي: «وأَنَا أَصُكُّ»، و«أَنَا أَرْهَنُهُمْ»، وكذا «وأنتم تكتمون»، إلا أنه يلزم منه إشكال آخر، وهو أنهم منهيُّون عن اللّبس مطلقًا، والحال قيد في الجملة السابقة، فيكون قد نهوا بقيد، وليس ذلك مرادًا إلاّ أن [يقال: إنها حال لازمة، وقد قيّده «الزمخشري» ب «كاتمين»، فجعله حالًا، وفيه الإشكال المقتدّم، إلاّ أنه] يكون أراد تفسير المعنى لا تفسير الإعرابن قال «ابن الخطيب»: وجواب الإشكال أنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أو باطل، وما لا يعرف كونه حقًّا وباطلًا لا يجوز الإقدام عليه بالنفي، ولا بالإثبات، بل يجب التوقّف فيه. وسبب ذكر هذا القيد أن الإقدام على الفعل الضَّار مع العلم بكونه ضارًّا أفحش من الإقدام عليه عند الجَهْلِ بكونه ضارًّا، فلما كانوا عالمين [بما] في التبليس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح.
ويجوز أن تكون جلمة خبرية عطفت على جملة طلبية، كأنه تعالى نَعَى عليهم كتمهم الحقّ مع علمهم أنه حق.
[ومفعول] العلم غير مُرَاد؛ لأن المعنى: وأنتم من ذوي العلم.
وقيل: حذف للعلم به، والتقدير: تعلمون الحقّ من الباطل.
وقدره «الزمخشري»: «وأنتم تعلمون في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون»، فجعل المفعول اللَّبْس والكَتْم المفهومين من الفعلين السابقين. وهو حسن.
[ ٢ / ٢٤ ]