لمَّا قرر المعاد بالدَّليل الظَّاهِرِ أتبعه بذكْرِ قَصَصِ الأنْبِياء لفوائد:
أحدها: التَّنبيه على أنَّ إعراض النَّاسِ عن قبول الدلائل والبينات ليس مَخْصوصًا بِقَوْم مُحَمَّد - ﵊ - بل هذه العادَةُ المذمُومَة كانت حاصلة في جميع الأمَم السَّابقة، والمصيبة إذا عمَّت خَفَّت، ففي ذِكْرِ قَصَصِهم تسلِيَة للرَّسُولِ - ﵊ - وتخفيف عن قَلْبِهِ.
وثانيها: أنَّهُ تعالى يحكي في هذه القَصَصِ أنَّ عَاقِبَة أمر أولئك المنكرين كان إلى اللّعْنِ في الدُّنْيَا، والخسارة في الآخِرَةِ، وعاقبة أمر المحقّين [إلى الدَّوْلَةِ في الدُّنْيَا، والسَّعادة في الآخرة، وذلك يقوي قلوب المُحِقِّين]، ويكسر قلوب المبطلين.
وثالثها: التنبيه على أنَّهُ تعالى، وإن كان يمهل المبطلين لكنَّهُ لا يُهْمِلُهُمْ بل يعاقِبُهُم، وينتقمُ منهم.
ورابعها: بيان ما في هذه القصص من الدّلالةِ على نُبُوَّةِ محمد - ﵊ - لأنَّهُ كان أميًّا، لم يطالع كتابًا، ولا تَلْمَذَ لأستاذن فإذا ذكر هذه القصص من غير تحريف ولا خطأ دَلَّ ذلك على أنَّهُ عرفها بوحي من الله تعالى.
قوله: «لقد أرْسَلْنَا» جواب قسم محذوف تقديره: «والَّه لقد أرْسَلْنَا» .
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت: ما لهم لا يكادون ينطقون بهذه اللاَّم إلاَّ مع «قَدْ»، وقلَّ عنهم قوله: [الطويل]
[ ٩ / ١٧٤ ]
٢٤٩٧ - حَلَفْتُ لَهَا بِاللَّهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ لَنَامُوا
قلتُ: إنَّمَا كان ذلك؛ لأنَّ الجملة القسميَّة لا تساقُ إلا تأكيدًا للجملةِ المُقْسَم عليها، التي هي جوابها، فكانت مَظَنَّةً لمعنى التَّوَقُّعِ الذي هو معنى «قَدْ» استماع المخاطب كلمة القسم.
وأما غير الزَّمَخْشَريِّ من النُّحَاةِ فإنَّهُ قال: إذا كان جواب القسم ماضيًا مثبتًا متصرفًا: فإمَّا أن يكُونَ قريبًا من زمن الحال فتأتي ب «قَدْ» وإلاَّ أتيت باللاَّم وَحْدَهَا فظاهر هذه العبارة جواز الوَجْهَيْنِ باعتبارَيْنِ.
وقال هناهنا: «لقد» من غير عاطف، وفي «هود» [٢٥] و«المؤمنين» [٢٣]: ولقد بعاطف، وأجاب الكَرْمَانيُّ بأن في «هود» قد تقدَّم ذكر الرَّسولِ مرَّات، وفي «المؤمنين» ذكر نُوحٍ ضِمْنًا في قوله ﴿وَعَلَى الفلك﴾ [غافر: ٨٠]؛ لأنَّهُ أوَّلُ من صنعها، فحسن أن يُؤتى بالعاطف على ما تقدَّمن بخلافِهِ في هذ السُّورةِ.
فصل
هو نُوحُ بْنُ لملك بْنِ متوشلح بْنِ اخنوخ، وهو إدريس وهو أول نبيّ بعثه الله بعد إدريس.
وقال القُرْطُبِيُّ: «وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بعد آدم بتحريم النبات والعمَّاتِ، والخالاتِ، وكان نَجَّارًا، بعثَهُ اللَّهُ إلى قومه وهو ابن خمسين سنة» .
وقال مُقَاتِلٌ: «ابن مِائَةِ سَنَةٍ» .
قال النَّحَّاسُ: «وانصرف؛ لأنَّهُ على ثلاث أحرف» .
وقال ابن عباس: «سُمِّي نوحًا لكثرة نَوْحِهِ على نَفْسِهِ» .
واختلفُوا في سبب نَوْحِهِ، قال بعضُهُم: لدعوته على قومه بالهلاكِ، وقيل: لمراجعته رَبَّه في شأنِ ابنه كَنْعَانَ.
[ ٩ / ١٧٥ ]
وقيل: لأنَّهُ مرّ بكلب مَجْذُومٍ فقال: اخْسَأ يا قبيحُ يا كَلْبُ، فأوْحَى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب.
قال ابن عباس: «معنى أرْسَلْنَا: بَعَثْنَا» .
وقال آخرون: معنى الإرسال أنَّهُ تعالى حمَّلُهُ رسالة يُؤدِّيهَا، فارِّسَالةُ على هذا التَّقديرِ تكون متضَمِّنَةً للبعث، فيكونُ البعث كالتَّابشع لا أنَّهُ الأصلِ.
قوله: «فقال يا قوم اعْبُدُو الله» جيء هنا بفاء العطف في قوله: «فَقَال»، وكذا في المؤمنين وفي قصّة هودٍ وصالحٍ وشُعَيْبٍ هنا بغير فِاء، والأصلُ الفاء، وإنَّمَا حذفت تَخْفيفًا، وتوسعًا [و] اكتفاء بالرّبْطِ المَعْنَوِيِّ، وكانت اللواتي بعدها بالحذف أولى. وأما في هود فيقدَّر قبل قوله: «إنّي لَكُمْ»: «فقال» بالفَاءِ على الأصْلِ.
وجاء هنا: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ فلم يعطف هذه الجملة المنفيَّةِ بفاءٍ ولا غيرها، لأنَّهَا مبنية ومثبتة على اختَصَاصِ اللَّهِ - تعالى - بالعبادةِ ورفض ما سواه، فكانت في غايةِ الاتِّصال فقال: يا قَوْمِ اعبدُوا الله.
فصل في بيان نسب «نوح»
قال ابن العربيِّ: ومن قال: إن إدْرِيسَ كان قبل نوح فقد وهمَ، بدليل حديث الإسْرَاءِ الصَّحيحن حين لَقِيَ النَّبِيّ ﷺ َ آدمَ وإدريس، فقال له آدمُ: مرحبًا بالنَّبِيِّ الصالح والابن الصالحن وقال له إدريس: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالح، والأخ الصَّالح فلما قال له: «والأخ الصالح» دلَّ على أنَّهُ يجمع معه في نُوح.
قال القَاضِي عياضٌ: جواب الآبَاء هناهنا كَنُوحٍ، وإبراهيم وآدم: مرحبًا بالابن الصالح، وقال عن إدريس: بالأخ الصالح كما ذكر عن مُوسَى وعيسى، ويوسف [وهارون ويحيى ممَّنْ ليس بأبٍ للنَّبِيِّ ﷺ َ باتِّفَاقٍ] .
فصل في بيان أجناس البشر
قال القُرْطُبِيُّ: ذكر النَّقَّاشُ عن سليمان بن أرقم عن الزهري أنَّ العربَ، وفارسَ والرُّومَ، وأهلَ الشَّامِ واليمن من ولد سام بن نوح، والهند والسِّنْد والزِّنْج، والحبشَة والزُّطّ والنُّوبة وكل جِلْدٍ أسْوَدَ من ولد حامٍ، والترْك، والبربر ووراء النهر والصين، ويأجوج ومأجوج والصَّقَالِبَة من ولد يافثِ بن نُوحٍ، والخلق كلهم ذُرية نُوحٍ - ﵊ -.
[ ٩ / ١٧٦ ]
قوله: ﴿ما لكم من إله غيره﴾
قرأ الكِسَائِيُّ «غيره» بخفض الرَّاءِ في جميع القُرآنِ، والباقون برفعها، وقرأ عيسى بْنُ عمرَ بنصبها، فالجرُّ على النَّعْتِ والبَدَلِ من موضع «إله»؛ لأن «مِنْ» مزيدة فيه، وموضعه رفع: إما بالابتداء، وإمَّا بالفاعليةَّ، ومنع مكيٌّ في وجه الجرِّ أن تكون بدلًا من إله على اللَّفْظِ، قال: كما لا يَجُوزُ دخول «مِنْ» لو حذفت المبدل منه؛ لأنّضاه لا تدخل في الإيجابِ، وهذا كلام متهافت.
والنَّصْبُ على الاستِثْنَاءِ، والقراءتانِ الأوليانِ أرجح؛ لأنَّ الكلام متى كان غير إيجاب، رجَّح الاتباع على النَّصْبِ على الاستثناء وحكم غير حكم الاسم الواقع بعد «إلاَّ»، و«مِنْ إلهٍ» إذا جَعَلْته مبتدأ فلك في الخبر وجهان:
أظهرهما: أنَّهُ «لَكُمْ» .
والثاني: أنَّهُ محذوف، أي: ما لكم من إله في الوجود، أو في العالم غير الله، و«لَكُمْ» على هذا تخصيص وتبيين.
فصل فيما تضمنته الآية من حذف
قال الواحِدِيُّ: «في الكلام حذفٌ، وهو خبر ما؛ لأنَّكَ إذا جعلت غيره صفة لقوله:» إله «لم يبق لهذا المنفي خبر، والكلامُ لا يستقِلُّ بالصِّفةِ والموصوف، فإنَّكَ إذا قلتَ: زيدٌ العاقلُ وسكتَّ لم يُفِدْ ما لم تذكر خبره ويكون التَّقْدِيرُ: ما لكم من إله غيره في الوجود» .
قال ابن الخطيب: اتَّفَقَ النَّحويُّونَ على أنَّ قولنا: «لا إله إلا الله» لا بد فيه من إضمار، والتَّقْديرُ: لا إله في الوجود إلا الله ولا إله لنا إلا الله، ولم يذكروا على هذا الكلام حجَّةً، فنقولُ: لِمَ لا يجوز أن يقال: دخل حرف النَّفي على هذه الحقيقةِ وعلى هذه الماهِيَّةِ، فيكون المعنى أنَّهُ لا تحقق لحقيقة الإلهية إلا في حقِّ الله تعالى، وإذا حملنا الكلامَ على هذا المعنى استغنينا عن الإضْمَارِ الذي ذكروه.
فإنْ قالوا: صرف النفي إلى الماهِيَّةِ لا يمكنُ؛ لأنَّ الحقائِقَ لا يُمْكِنْ نَفْيُهَا، فلا يمكن أن يُقَال: لا سواد بمعنى ارتفاع هذه الماهِيَّةِ، وإنَّمَا الممكن أن يقال: إنَّ تلك
[ ٩ / ١٧٧ ]
الحَقَائِقَ غيرُ موجودة، ولا حاصلة، وحينئذٍ يجب إضمار الخبر فنقول: هذا الكلامُ بِنَاءٌ على أنَّ الماهيَّة لا يمكن انتِفَاؤُهَا وارتفاعها، وذلك بَاطِلٌ قطعًا، إذ لو كان الأمر كذلك؛ لوَجَبَ امتناعُ ارتفاع الوُجُودِ؛ لأنَّ الوُجُود أيضًا حقيقة من الحقائق، وماهيّة من المَاهِيَّات؛ فوجب ألاَ يرتفعَ الوُجودُ أيضًا، فإن أمكن ارتفاع الوُجُودِ مع أنَّهُ ماهيّة وحقيقة فلم لا يمكنُ ارتفعُ سائر الماهيَّاتِ.
فصل في بيان أن المستحق للعبادة هو الله
دلَّ ظَاهِرُ الآيةِ على أنَّ الإله هو الذي يستحقُّ العبادة؛ لأن قوله: ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ إثبات ونفي، فيجب أن يتواردا على مَفْهُوم وَاحِدٍ حتى يستقيم الكلامُ، فكان المَعْنَى: اعبدوا الله ما لكم من معبودٍ غيره، حى يَتَطابَقَ النَّفي والإثبات، ثم ثبت بالدَّليل أنَّ الإله ليس هو المعبود، وإلاَّ لوجب كونُ الأصنام آلهة، وألاَّ يكون الإله إلهًا في الأزَلِ، لأنَّهُ في الأزَلِ غير معبود، فوجب حملُ لفظ الإله على أنَّهُ المُسْتَحِقُّ للعبادةِ.
قوله: ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
اختلفوا في معنى قوله: ﴿إني أَخَافُ﴾ هل هو اليقين؟ أو الخوف بمعنى الظنِّ والشكِّ؟ فقيل: المرادُ: الجزم واليقين؛ لأنَّهُ كان جازمًا أنَّ العذابَ ينزل بهم: إمَّا في الدُّنْيَا، وإمَّا في الآخرة، إن لم يَقْبَلُوا الدَّعْوَة.
وقيل: بل المرادُ منه الشَّكُّ لوجوه:
[أحدها]: إنَّمَا قال: ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾؛ لأنَّهُ جوَّزَ أن يؤمنوا، وأن يستمروا على كفرهم، ومع هذا التَّجْويز لا يكون قاطعًا بنزول العذاب، فهذا قال: «أخَافُ عَلَيْكُمْ» .
وثانيها: أنَّ حُصُولَ العذاب على الكُفْرِ والمعصية أمْرٌ لا يعرف إلا بالسَّمْع، فَلَعَلْ الله - تعالى - ما بيّن له كيفيَّة هذه المسألة، فلا جرم جوَّزَ أنَّ الله - تعالى - هل يعاقبهم أم لا؟ .
وثالثها: يحتمل أنْ يكُون المرادُ من الخَوْف الحذر، كقوله في الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن﴾ [النحل: ٥٠] أي يحذرون المعاصي خَوْفًا من العقاب.
ورابعها: أنهُ بتقدير أن يكُون قاطعًا بنُزُولِ العذابِ لكنَّهُ ما كان عارفًا بمقدار ذلك العذاب فكان هذا الشَّكُ راجعًا إلى وصف العذاب لا في أصْلِ حصولهِ، والمراد بذلك العذاب إمَّا عذاب يوم القيامة، أو عذابُ الطُّوفان.
فإن قيل: إنه تعالى حكى عن نُوحٍ - ﵊ - في هذه الآية أنَّهُ أمر قومه بثلاثَةِ أشياء:
[ ٩ / ١٧٨ ]
الأوَّلُ: أمرهم بعبادة الله، والمقصودُ منه إثبات التَّكليف.
الثاني: أنَّهُ حكم أن لا إله غَيْرُ الله، والمقصودُ منه الإقرار بالتَّوْحيد، ثم قال عقيبَهُ: ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وهذا هو الدَّعوى الثَّالثة، وعلى هذا التَّقديرِ فقد ادَّعى الوحي والنُّبوَّةَ من عند اللَّه، ولم يذكر على صِحَّةِ واحد منها دليلًا ولا حجَّةً، فإن كان قد أمرهم بالإنذار بها على سبيل التَّقْلِيد فهذا باطل؛ لأنَّ الله - تعالى - مَلأَ القرآنَ من ذمِّ التقليد، فكيف يليق بالرَّسُول المعصوم الدَّعوةُ إلى التقليد؟ وإن كان قد أمرهم بالإقرار بها مع ذكر الدَّليل، فهذا غير مذكور.
فالجوابُ: أن الله - تعالى - ذكر في أوَّلِ السُّورةِ دلائلَ التَّوحيد والنُّبوَّةِ وصحَّةِ المعاد، وذلك تنبيه منه تعالى على أنَّ أحدًا من الأنبياء لا يدعو إلى هذا الأصُولِ إلا بذكر الحُجَّةِ والدَّلِيل أقصى ما في البابِ أنَّهُ تعالى ما حكى عن نُوحٍ في هذا المقام ذكر تلك الدَّلائل لما كانت معلومة.
قوله
[ ٩ / ١٧٩ ]