قوله «أخَاهُمْ» نصب ب «أرْسَلْنَا» الأولى، كأنه قيل: لقد أرسلنا نُوحًا، وأرسلنا إلى عادٍ أخاهُم، وكذلك ما يأتي من قوله: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣]، ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] ﴿وَلُوطًا﴾ [الأعراف: ٨٥]، ويكونُ ما بعد «أخَاهُم» بدلًا أو عطف [بيان] . وأجاز مكيٌّ أن يكون النَّصْبُ بإضمار «اذْكُرْ» وليس بشيء لأنَّ المعنى على ما ذكرنا مع عدمِ الاحْتِيَاجِ إليه.
و«عاد» اسم للحيِّ، ولذلك صَرَفَه، ومنهم من جعله اسْمًا للقبيلة ولذلك [منعه] قال: [الرجز]
٢٥٠٠ - شَهْدَ عَادَ فِي زَمَانِ عَادِ ابْتَزَّهَا مَبَارِكَ الجِلادِ
الأصل اسم الأب الكبيرِ، وهو عادُ بْنُ عوصِ بْنِ إرمِ بْنِ سَامِ بن نوُحٍ فسُمِّيت به القبيلةُ، أو الحيّ.
وقيل: عادُ بْنُ أرمٍ بْنِ شَالِخ بِنْ أرفخشد بْنِ سَامِ بْنِ نوح وهودُ بْنُ عبد الله بْنِ رَبَاحِ بْنِ الجَارُودِ ابْنِ عَادِ بِنْ عوص بن إرمٍ بْنِ سَامِ بْنِ نُوح، وهي عادٌ الأولى، وكذلك ما أشبهه من نحو «ثَمُود» إن جَعَلْته اسمًا لمذكَّر صَرَفْتَه، وإن جعلته اسمًا لمؤنث مَنَعتهُ، وقد بَوَّبَ له سيبويه بابًا.
[ ٩ / ١٨٤ ]
وأمّا هو فاشتهر في ألْسِنَةِ النُّحَاةِ إنه عَرَبِيٌّ، وفيه نظر؛ لأن الظَّاهِرَ من كلام سيبويه لمَّا عَدَّه مع نُوح، ولوط أنَّهُ أعجمي، ولأن: أبَا البركاتِ النَّسَّابَةَ الشَّريفَ حكى: أن أهلَ وعلى هذا يكون «هُودُ» أعجميًا، وإنَّمَا صُرِفَ لما ذكر في أخوته نوحٍ ولُوطٍ.
وهود اسمه عابرُ بْنُ شَالِح بْنِ أرفخشد بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ.
فصل في نسب هود
اتَّفقوا [على] أن هودًا ما كان أخاهم في الدِّين، واختلفوا في أنَّه هل كان هناك قَرَابَةٌ أم لا.
قال الكَلْبِيُّ: «كان واحدًا منهم» .
وقال آخرون: كان من غيرهم، وذكروا في تفسير هذه الأخوة وجهين:
الأول: قال الزَّجَّاجُ: كان من بني آدم، ومن جِنْسِهِمْ، لا من الملائكة، ويكفي هذا القَدَرُ في تسمية الأخوة، والمعنى: أنّا بعثنا إلى عادٍ واحدًا من جنسهم، لِيَكُون الفَهْمُ والأنس بكلامه وأفعاله أكْمَلُ، ولم يبعث إليهم من غير جنسهم مثل ملك أو جني.
قال ابن إسحاق: وكان أوسطهم نَسَبًا، وأفْضَلَهُم حُسْنًا.
روي أن عادًا كانت ثلاثَ عَشْرَةَ قبيلةً ينزلون الرِّمال، وكانوا أهل بساتين وزروع وعمارةٍ، وكانت بلادهم أخصبَ البلاد، فسخط الله عليهم؛ فجعلهم مفاوز لأجل عبادتهم الأصْنَامَ، ولحق هود حين أهلك قومه بمن آمن معه بِمَكَّةَ، فلم يزالوا بها حتى ماتوا.
الثاني: «أخاهم» أي صاحبهم، ورسولهم، والعرب تسمِّي صاحب القوم أخَا القَوْم، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] أي: صاحبتها، وقال ﵊: «إن أخَا صداء قَدْ أذن»
يريدُ صَاحِبَهُمْ.
فصل في مكان قوم عاد
اعلم أنَّ عادًا قومًا كانوا باليمينِ بالأحقاف.
قال ابن إسحاق: «والأحقافُ: الرَّمْلُ الذي بين عُمَان إلى حضرموت» .
واعلم أن ألفاظ هذه القصَّةِ موافقة للألْفَاظِ المذكورة في قصَّةِ نوح - ﵇ - إلا في أشياء.
[ ٩ / ١٨٥ ]
[الأول]: أن في قصَّة نُوحٍ: «فقال يا قَوْم» بالفاء، وهنا قال بغير فاء، فالفرق أنَّ نُوحًا - ﵊ - كان مواظبًا على دعوتهم، وما كان يؤخر الجواب عن شبهاتهم لحظة واحدة، وأما هودٌ فلم يبلغ إلى هذا الحدِّ؛ فلا جرم جاء بفاء التعقيب في كلام نُوح دون كلام هود.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قُلْتَ: لم حذف العَاطِف من قوله [قال يا قوم] ولم يقل «فقال» كما في قِصَّةِ نوح.
قلت: هو على تَقْدير سُؤالِ سائلٍ قال: فما قال لهم هود؟ فقيل: له: «قال يا قوم» .
الثاني: قال في قصة نوح: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩] .
وهنا قال: «أَفَلاَ تَتَّقُونَ»، والفرقُ بينهما أنَّ قبل نوح لم يظهر في العالم مثل تلك الواقعةِ العظيمةِ، وهي الطُّوفَانُ العظيم، فلا جرم أخبر نُوحٌ عن تلك الواقعة فقال: ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
وأمّا واقعة هود - ﵇ - فقد سبقتها واقعة نوح، وكان عهد النَّاسِ بتلك الواقعة قريبًا، فلا جرم قال: «أفَلاَ تَتَّقُونَ» أي: تعرفون أنَّ قوم نوح لمَّا لم يتقوا الله ولم يطيعوه أنْزل بهمْ ذلكَ العذاب الذي اشتهر خَبَرُهُ في الدُّنْيَا، فكان ذلك إشَارَةً إلى التَّخْوِيفِ بتلك الوَاقِعَةِ.
الثالث: قال في قصَّة نُوحٍ ﴿قَالَ الملأ مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٦٠] .
وقيل: في هود: ﴿قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ فوصف الملأ بالكُفْرِ، ولم يُوصَفُوا في قصَّة نوح، والفرقُ أنَّهُ كان في أشْرَاف قوم هُودٍ مَنْ آمنَ بِهِ مِنْهُم مرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ أسْلَمَ، وكان يكتمُ إيمانَهُ بخلاف قَوْم نُوحٍ، لأنَّه لم يؤمن منهم أحَدٌ.
قاله الزَّمخشريُّ وغيره، وفيه نَظَرٌ لقوله تعالى: ﴿لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وقال: ﴿وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] ويحتمل أنَّ حال مخاطبة نُوحٍ لقومِهِ لم يُؤمِنْ منهم أحَدٌ بعدُ ثمَّ آمنوا، بخلاف قصَّةِ هود فإنَّهُ حال خطابهم كان فيهم مُؤمن ويحتملُ أنها صفة لمُجَرَّدِ الذَّمِّ من غير قَصْدِ تميزٍ بها.
الرابع: حكي عن قَوْم نُوح قولهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ وحكي عن قوم هُود قولهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين﴾ [الأعراف: ٦٦] الفرقُ أنَّ نُوحًا خوف الكُفَّارَ بالطُّوفانِ العام وكان مشتغلًا بإعْدَادِ السَّفينةِ، فلذلك قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ حيثُ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في إصلاح سفينة كبيرةٍ في مفازة ليس فيها قَطْرَةٌ من المَاءِ، ولم يظهر شيءٌ من العلامات تدلُّ على ظهورِ المَاءِ في تلك المَفَازة.
وأمَّا هود فلم يذكر شيئًا إلا أنه زَيَّفَ عبادة الأوثان، ونسب من اشتغل بعبادتها إلى
[ ٩ / ١٨٦ ]
السَّفَاهَةِ وقلَّةِ العَقْل، فلَّما سفَّهَهُم قابلوه بمثله، ونسبُوهُ إلى السَّفاهةِ، ثم قالوا: ﴿وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين﴾ في ادِّعَاءِ الرِّسالة.
قال ابءنُ عبَّاسٍ: في سفاهة أي تدعو إلى دينٍ لا نقر به.
وقيل: في حُمْقِ، وخفَّةِ عَقْلٍ، وجهالةٍ.
﴿وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين﴾ اختلفُوا في هذا الظن فقيل: المرادُ القَطْعُ والجزم كقوله تعالى: ﴿الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وهو كثير.
وقال الحسنُ والزَّجَّاجُ: كان ظنًّا لا يقينًا، كفرُوا به ظانين لا متيقّنين وهذا يَدُلُّ على أنَّ حوصل الشَّكِّ والتَّجويز في أصول الدِّين يوجبُ الكفر.
الخامس: قال نوح - ﵇ -: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ .
وقال هود ﵇: ﴿وأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِيْنٌ﴾، فأتى نوح بصيغة الفعل، وهود أتى بصيغة اسم الفاعل، ونوح - ﵇ - قال: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، وهود لم يقل ذلك، وإنَّما زاد كونه «أمِينًا»، والفرقُ بينهما أنَّ الشَّيْخَ عَبْدَ القَاهِرِ النَّحْوِيَّ ذكر في كتاب «دلائِلِ الإعْجازِ» أن صيغة الفعل تدلُّ على التَّجَدُّدِ ساعةً فساعَةً.
وأما صِيغَةُ اسم الفاعِلِ فهي دالَّةٌ على الثَّباتِ، والاستمرار على ذلك الفعل.
وإذا ثبت هذا فَنَقُولُ: إنَّ القَوْمَ كانوا مبالغين في السَّفَاهَةِ على نوح - ﵇ - ثم إنَّهُ في اليوم الثَّاني كان يعودُ إليهم، ويدعوهم إلى الله كما ذكر اللَّهُ - تعالى - عنه في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح: ٥] .
فلما كانت عادته - ﵇ - العود إلى تجديد الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة، لا جرم ذكره بصيغة الفعل فقال: «وأنْصَحُ لَكُمْ» .
وأما قول هود - ﵇ -: ﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ فإنَّهُ يَدُلُّ على كونه مثبتًا مستقرًا في تلك النَّصِيحَةِ، وليس فيها إعلامُ بأنه سيعود إليها حالًا فحالًا، ويومًا فيومًا.
وأما قول نوح - ﵇ - ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وهود - ﵇ - وصف نفسه بكونه أمينًا، فالفرقُ أنَّ نوحًا - عليه السَّلأامُ - كان منصبه في النُّبُوَّةِ أعلى من منصب هود ﵇، فلم يبعد أن يقال: إن نُوحًا - ﵇ - كان يعلم من أسرار حكم اللَّهِ ما لا يصلُ إليه هُودٌ، فلهذا أمْسَكَ هود لسانه عَنْ ذكر تلك الجملة، واقتصر على وَصْفِ نفسه بالأمانة ومقصود منه أمور:
أحدها: الرَّدُ عليهم في قولهم: ﴿وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين﴾ .
[ ٩ / ١٨٧ ]
وثانيها: أن مدار الرِّسالة والتبليغ عن الله على الأمانة، فوصف نفسه بالأمانةِ تقريرًا للرِّسالة والنبوة.
وثالثها: كأنَّهُ قال لهم: كنت قبل هذه الدعوى أمينًا فيكم، وما وجدتمْ منِّي غدرًا ولا مكرًا ولا كذبًا، واعترفتم لي بِكَوْنِي أمينًا، فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب؟
والأمين هو الثقة، وهو فعيل من أمِنَ فهو أمِنٌ وأمين بمعنى واحد.
واعلم أنَّ القومَ لمَّا قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ لم يقابل سفاهتهم بالسَّفاهَةِ، بل قابلها بالحلم، ولم يزد على قوله: ﴿لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾، وذلك يَدُلُّ على أنَّ ترك الانتقام أولى كما قال: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] .
وقوله: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ مدح نفسه بأعْظَمِ صفات المَدْحِ، وإنَّمَأ فعل ذلك؛ لأنَّهُ كان يجب عليه إعلام القوم بذلك، وذلك يَدُلُّ على أنَّ مدح الإنسان لِنَفْسِه في موضع الضَّرُورةِ جائزٌ.
السادس: قال نوحٌ ﵇: ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، [وفي قصَّةُ هود حذف قوله: ﴿وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، والفرق أنَّهُ لمَّا ظهر في قِصَّةِ نُوح - ﵇ - أنَّ فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة، لم يكن لإعادته في هذه القصَّة حاجة.
قوله: «إذْ جَعَلَكُمْ» في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنَّه ظرفٌ منصوبٌ بما تضمنتهُ الآلاء من معنى الفعلِ، كأنه قيل: «واذكُرُوا نِعَمَ اللَّهِ عليكم في هذا الوَقْتِ»، ومفعول «اذْكُرَوا» محذوفٌ لدلالة قوله بعد ذلك: ﴿فاذكروا آلآءَ الله﴾، ولأن قوله: ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ﴾، وزادكم كذا هو نفس الآلاء وهذا ظاهر قول الحُوفِي.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: «إذْ» مفعول «اذْكُرُوا» أي: اذكروا هذا الوقت المشتمل على هذه النعم الجسيمة، وتقدَّم الكلامُ في الخلفاء والخلائف والخليف.
قوله: «فِي الخَلْقِ» يحتملُ أن يراد به المصدر بمعنى في امتداد قامتكم وحسن صوركم، وعظم أجْسَامِكُمْ، ويحتمل أنْ يراد به معنى المفعول به، أي: في المَخْلُوقين بمعنى زادكم في النَّاسِ مثلكم بسطة عليهم، فإنَّهُ لم يكن في زمانهم مثلهم في عظم الأجرام.
قال الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ: «كانت قامة الطّويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير ستُّون ذراعًا» .
وتقدم الكلامُ على «بسطة» في البقرة.
[ ٩ / ١٨٨ ]
قوله: ﴿فاذكروا آلآءَ الله﴾، أي: نعمه، وهو جمع مفرده «إلْي» بكسر الهمزة وسُكُونِ اللاَّمِ؛ كحِملْل وأحْمَالِ، أو «ألْيٌ» بضمِّ الهمزة وسُكُونِ اللاَّمِ: كقُفْل، وأقْفَالٍ، أو «إلى» بكسر الهمزة، وفتح اللام؛ كضِلَع وأضلاع، وعِنَب وأعْنَاب، أو «ألَى» بفتحهملا كقَفَا وأقْفَاء؛ قال العْشضى: [المنسرح]
٢٥٠١ - أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزَالَ وَلاَ يَقْطَعُ رِحْمًا ولا يَخُونُ ألَى
يُنشد بكسر الهمزة، وهو المشهورُ، وبفتحها؛ ومثلها «الآنَاء» جمع «إِنْي» أو «أُنْي» أو «إِنّى» أو «أَنّى» .
وقال الأخفش: «إنْوٌ» .
والآناء الأوقات كقوله: ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ [طه: ١٣٠]، وسيأتي.
ثم قال: «لعلَّكُم تُفْلِحُونَ» فلا بُدَّ هاهنا من إضمار؛ لأنَّ الصَّلأاح الذي هو الظَّفر بالثَّواب لا يحصل بمجرد التذكر، بل لا بدّ من العمل، والتقدير: فاذكروا آلاء اللَّهِ واعملوا عملًا يليق بذلك الإنعام لعلّكم تفلحون.
قوله: «لِنَعْبُدَ» متعلق بالمجيء الذي أنكروه عليه.
واعلم أنَّ هودًا - ﵇ - لما دعاهم إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدَّلِيل القاطع، وهو أنَّهُ بيَّن أنَّ نعم الله عليهم كثيرة والأصنام لا نعمة لها؛ لأنَّهَا جمادات، والجمادُ لا قُدْرَةَ له على شَيْءٍ أصلًا - لم يكن للقوم جوابٌ عن هذه الحُجَّةِ إلا التمسك بالتَّقْليد فقالُوا: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ فأنكروا عليه أمره لهم بالتَّوحيد، وترك التقليد للآباء، وطلبوا منه وقوع العذاب المشار إليه بقوله: «أفَلاَ تَتَّقُونَ» وذلك أنَّهُم نسبوه إلى الكذب، وظنُّوا أنَّ الوعيد لا يتأخر، ثم قالوا: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ جوابه محذوف أو متقدِّم ب «ما»، وذلك لأنَّ قوله: ﴿اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ مشعر بالتَّهْديد والتّضخويف بالوعيد، فلهذا قالوا: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ .
قوله: ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ جوابه محذوف أو مُتَقَدِّم، وهو فأت به.
واعلم أنَّ القوم كانُوا يتقدون كذبه لقولهم: ﴿وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين﴾ فلهذا قالوا: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الشعراء: ٣١] وإنَّما قالُوا كذلِكَ لظنهم أن الوعيد لا يجوز أن يتأخر، فعند ذلك قال هود - ﵇ -: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: وجب عليكم.
فصل في تفسير هذه الآية
قال القَاضِي: تفسير هذه الآية على قولنا ظاهر؛ لأنَّ بعد كفرهم وتكذيبهم
[ ٩ / ١٨٩ ]
حدثت هذه الإرادة، واعلمْ أنَّ هذا بَاطِلٌ؛ لأنَّ في الآية وجوهًا من التَّأويل.
أحدها: أنَّهُ تعالى أخبر في ذلك الوقت بنزول العذابِ عليهم، فلمَّا حدث الإعلام في ذلك الوقت، لا جرم قال هُودٌ في ذلك الوقت: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ .
وثانيها: أنَّهُ جعل المُتَوقَّع الذي لا بُدَّ من نزوله بمنزلة الواقع، كقوله: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] .
وثالثها: أن يحمل قوله: «وقع» على معنى وجد وجعل، والمعنى: إرادة إيقاع العذاب عليكم حصلت من الأزل.
قوله: «مِن رَّبِّكُمْ» إمَّا متعلق ب «وقع» و«من» للابتداء مجازًا، وإمَّا أن يتعلق بمحذوف لأنَّهَا حال، إذْ كانت في الأصل صفة ل «رجس» .
والرِّجْس: العذاب والسين مبدلة من الزاي.
وقال ابن الخطيب: لا يمكن أن يكون المراد لأنَّ المُرادَ من الغضب العذابُ، فلو حملنا الرِّجْسَ عليه لَزِمَ التَّكْرِيرُ، وأيضًا الرجس ضد التطهير قال تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾
[الأحزاب: ٣٣] والمرادُ التَّظْهِيرُ عن العقائد الباطلةِ.
وإذا ثبت هذا فالمراد بالرجس أنَّهُ تعالى خصّهم بالعقائِدِ المذمُومَةِ، فيكون المعنى أنَّهُ تعالى زادهم كُفْرًا ثم خصَّهم بمزيدِ الغضبِ.
قوله: «أتُجَادِلُونَنِي» استفهام على سبيل الإنْكَارِ في أسماء الأصنام وذلك أنهم كانوا يسمون الأصْنَامَ بالآلهة، مع أن معنى الإلهية فيها معدومٌ، سموا واحدًا منها بالعُزَّي مشتقًا من العزِّ، والله - تعالى - ما أعطاه عِزًّا أصلًا، وسمُّو آخر منها باللاَّتِ، وليس له من الإلهية شيء.
قوله: «سَمَّيْتُمُوهَا» صفة ل «أسْمَاء»، وكذلك الجملة من قوله: ﴿مَّا نَزَّلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ يُدلُّ على خلوِّ مذاهبهم عن الحُجَّةِ.
و«مِنْ سُلْطَانِ» مفعول «نزَّلَ»، و«مِنْ» مزيدةٌ، ثمَّ إنَّهُ ﵊ ذكر لهم وعيدًا مجرَّدًا فقال: فانتظروا ما يحصل لكم من عبادة الأصْنَامِ إنِّي معكم من المنتظرين.
فقوله: «مِنَ المُنْتَظِريْنَ» خبر «إني»، و«مَعَكُمْ» فيه ما تقدَّم في قوله: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين﴾، ويجوزُ - وهو ضعيف - أن يكون «مَعَكُمْ» هو الخبر و«مِنَ المُنْتَظِرِينَ» حال، والتقديرُ: إني مصاحبكم حال كوني من المنتظرين النّصر والفرج من الله، وليس بذلك؛ لأنَّ المقصُودَ بالكلامِ هو الانتظار، لمقابلة قوله: «فانْتَظِرُوا» فلا يُجعل فضلة.
[ ٩ / ١٩٠ ]