قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحشة﴾ القصة. في نصب «لُوطًا» وجهان:
أحدهما: أنه منصوب ب «أرْسَلْنَا» الأوَّلِ، و«إذ» ظرف الإرسال.
والثاني: أنَّهُ منصوبٌ بإضمار «اذْكُرْ»، وفي العامل في الظرف حينئذ وجهان:
أحدهما - وهو قول الزمخشريِّ أنَّهُ بدلٌ من «لوطًا» قال: «بمعنى: واذكر وقت إذ قال لقومه» وهذا على تسليم تصرف «إذ» .
[ ٩ / ٢٠٢ ]
والثاني: أنَّ العامل فيها مُقَدَّرٌ تقديره: «واذْكُرْ رسالةَ لُوط إذْ قَالَ» ف «إذ» مصوبة ب «رسالة» . قاله أبُو البقاء، والبدل حينئذٍ بدل اشتمال.
وصرّف نوح ولوط لخفَّتِه، فإنَّهُ ساكنُ الوسط، مركب من ثلاثة أحرف.
، لُطْتُ الحوض إذا ملسته بالطين، وهذا غلط؛ لأنَّ الأسماء الأعجميّة لا تشتق كإسْحَاق، فلا يقال: إنه من السُّحق وهو البعد؛ وإنَّمَا صرف لخفته؛ لأنَّه على ثلاثة أحْرُف ساكن الوسط، فأمَّا لطتُ الحوضَ، وهذا أليط فصحيح، ولكن الاسم أعجميّ كإبراهيم وإسحاق.
وهو: لوطُ بْنُ هَاران بْنِ تَارخ ابْنِ أخير إبراهيم، كان في أرض بابل مع عمه إبراهيم،، فهاجر إلى الشَّام، فنزل إبراهيمُ إلى فلسطين، وأنزل لوطًا الأردن، فأرسله اللَّهُ ﷿ إلى أهل سَدُوم.
قوله: «أتأتُونَ الفَاحِشَة» أتفعلون السيئة المتناهية في القبح، وذكرها باسم الفاحشة ليبين أنَّها زنا لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢] .
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن العالمين﴾ في هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنَّهَا مستأنفة لا محلَّ لها من الإعرابِ، وعلى الاستئناف يحتمل أن تكون جوابًا لسؤال وألا تكون جوابًا.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
قال الزَّمَخْشَرِيُّ: «فإن قلت: ما موقع هذه الجملة»؟
قلت: لا مَحَلَّ لها لأنَّها مُسْتَأنفة، أنكر عليهم أوّلًا بقوله: «أتَأتُونَ الفَاحِشَةَ» ثُمَّ وبخهم عليها فقال: أنتم أوَّلُ من عملها. أو تكون جوابًا لسؤال مقدَّر، كأنَّهُم قالوا: لِمَ لا تأتيها؟ فقال: «ما سبقكم بها أحَدٌ؛ فلا تفعلوا ما لم تُسْبَقُوا به» وعلى هذا فتكون صفة للفاحشة، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: ٣٧] وقال الشَّاعِر: [الكامل]
٢٥١١ - وَلَقَدْ أمُرُّ على اللَّئِيم يَسُبُّني .
والباء في «بِهَا» فيها وجهان:
أظهرهما أنها حالية، أي: ما سبقكم أحدٌ مصاحبًا لها أي: ملتبسًا بها.
والثاني: أنَّها للتعدية.
قال الزمخشريُّ: الباءُ للتعدية من قولك: «سَبَقْته بالكُرة» إذا ضربتها قبله. ومنه قوله ﵊ ُ: «سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ» .
قال أبو حيان: «والتّعدية هنا قلقة جدًا؛ لأنَّ» الباء «المعدِّية في الفعل المتعدي لواحد [هي] بجعل المفعولِ الأوَّلِ يفعل ذلك الفعل بما دخلت عليه الباء فهي كالهمزة، وبيان ذلك أنَّك إذا قلت:» صَكَكْتُ الحجرَ بالحَجر «كان معناه: أصْكَكْت الحجرَ بالحجر أي: جَعَلْت الحجر يَصُكُّ الحجر، فكذلك: دفعت زيدًا بعمرو عن خالد، معناه: أدْفَعْتُ زيدًا عمرًا عن خالد أي جعلت زيدًا يدفع عمرًا عن خالد فللمفعول الأوَّل تأثير في الثَّاني ولا يصحُّ هذا المعنى هنا؛ إذْ لا يصحُّ أن يقدَّر: أسْبَقْتُ زيدًا الكرة أي: جعلت زَيْدًا يسبق الكَرَةَ غلا بمجاز متكلَّف، وهو أن تجعل ضربك للكرةِ أول جَعْل ضربة قد سقبها أي: تقدَّمها في الزمان فلم يجتمعا» .
و«مِنْ» الأولى لتأكيد استغراق النفي والثانية للتبعيض.
والوجه الثاني من وجهي الجملة: أنَّها حال، وفي صاحبها وجهان:
والثاني: هو المفعول أي: أتأتونها مُبْتَدَأ بها غير مسبوقة من غيركم.
قال عمرو بن دينار: «ما يراد ذكر على ذكر في الدُّنيا حتى كان قوم لوط» .
قوله: «أإنَّكُمْ» قرأ نافعٌ وحفصٌ عن عاصم: «إنكم» على الخبر المستأنف، وهو بيان تلك الفاحشة، وقرأ الباقون بالاستفهام المقتضي للتّوبيخ، فقرأ ابنُ كثير بهمة غير
[ ٩ / ٢٠٤ ]
ممدودة وتليين الثَّانية، وقرأ أبُوا عمرو بهمزة ممدودة للتّخفيف وتليين الثانية، والباقون بهمزتين على الأصل.
قال الواحديُّ: «كان هذا استفهامًا معناه الإنكار لقوله تعالى:» أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ «، وكلُّ واحد من الاستفهامين جملة مستقلة غير محتاجة في تمامها إلى شيء آخر» .
قوله: ﴿لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً﴾ قيل: نصب «شَهْوَةٍ» على أنه مفعول من أجله، أي: لأجل الاشتِهَاءِ لا حامل لكم عليه إلاَّ مجرّد الشَّهوة لا غير.
وقيل: إنَّها مصدر واقعٌ موقع الحال، أي: مشتهين أو باق على مصدريَّته، ناصبة «أتَأتُونَ»؛ لأنَّهُ بمعنى أتشتهون.
ويقال: شَهِيَ يَشْهَى شَهْوَةً، [وشَهَا يَشْهُو شَهْوَةٍ] قال الشَّاعر: [الطويل]
٢٥١٢ - وَأشْعَثَ يَشْهَى النَّوْمَ قُلْتُ لَهُ: ارْتَحِلْ إذَا مَا النُّجُومُ أعْرَضَتْ واسْبَكَرَّتِ
وقد تقدَّم ذلك في آل عمران.
قوله: ﴿مِّن دُونِ النسآء﴾ فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ:
أحدها: أنَّهُ متعلق بمحذوف، لأنَّهُ حال من «الرِّجالِ» أي: أتأتونهم منفردين عن النِّساء.
والثاني: أنَّهُ متعلِّق ب «شَهْوَة»، قاله الحوفيُّ. وليس بظاهر أن تقول: «اشتهيتُ من كذا»، إلاَّ بمعنى غير لائق هنا.
والثالث: أن يكُون صفة ل «شهوة» أي: شهوة كَائِنَة من دونهن.
قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ «بل» للإضراب، والمشهور أنهُ إضراب انتقالٍ من قصّة إلى قصّة، فقيل: عن مذكور، وهو الإخبار بتجاوزهم عن الحدِّ في هذه الفاحشة، أو عن توبيخهم وتقريرهم، والإنكار عليهم.
وقيل: بل للإضراب عن شيء مَحْذُوفٍ. واختف فيه:
فقال أبُو البقاء: «تقديرُهُ: ما عَدَلْتُم بل أنتم» .
وقال الكَرْمَانيُّ: «بل» ردٌّ لجواب زعموا أن يكون لهم عذرًا أي: «لا عذر لكم بل» .
وجاء هان بصفة القوم اسم الفاعل وهو «مُسْرِفُونَ»؛ لأنَّهُ أدلُّ على الثُّبوت ولموافقة رءوس الآي؛ فإنَّهَأ أسماء.
[ ٩ / ٢٠٥ ]
وجاء في النمل [٥٥] ﴿تَجْهَلُونَ﴾ دلالة على أنَّ جهلهم يتجدد كل وقت ولموافقة رءوس الآي فإنها أفعال.
فصل في الإسراف
معنى «مُسْرِفُونَ» أي: يتجاوزون الحلال إلى الحَرَامِ.
قال الحسنُ: «كانوا لا ينكحون إلا الغرباء» .
وقال الكلبيُّ: «إنَّ أوَّل من عملَ عملَ قوم لوط إبليس؛ لأنَّ بلادهم أخُصَبَتْ فانتجعها أهلُ البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شابّ، ثم دعى إلى دُبرِهِ فنكح في دبره، فأمر الله - تعالى - السَّماءَ أن تحصبهم، والأرض أن تخسف بهم.
[ ٩ / ٢٠٦ ]