﴾ قال الزمخشري: معطوف على مثله في أول السورة وإن تباعدت قال أبو حيان: وإذا كان قد عدوا الفَصْلَ بنحو: كُلْ لَحْمًا، واضْرِبْ زيدًا وخبزًا من أبقح التَّر (ا) كيب فكيف بجمل كثيرة وقصص متباينة؟ قال شهاب الدين: ولِقَائل أن يقول: إن الفصل وإن كَثر بين الجمل المتعاطفة مغتفر، وأما الأول أنه تعالى لما ذكر أقاصيص الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام - عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها ومن جملة أقوالهم الباطلبة أنهم أثبتوا الأولاد لله تعالى ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور فقال «فاسْتَفْتِهِمْ» باستفتاء قريش عن وجه الإنكار للبعث أولًا ثم ساق الكلام موصولًا بعضه ببعض إلى أن أمرهم بأن يستفتيهم في أنهم لم أثبتوا لله سبحانه البنات ولهم البنين؟
ونقل الوَاحِدِيُّ عن المفسرين أنهم قالوا: إنَّ قريشًا وأجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح، قالوا الملائكة بنات الله وهذا الكلام يشتل على أمرين:
[ ١٦ / ٣٤٩ ]
أحدهما: إثبات البنات لله وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت والشيء الذي يستنكف منه المخلوق كيف يمكن إثباته للخالق؟
والثاني: إثبات أن الملائكة إناثٌ، وهذا أيضًا باطل لأن طريق العلم إما الحِسُّ وإما الخبر وإما النظر أما الحِسُّ فمفقود لأنهم لم يشاهدوا كيف خلق الله الملائكة وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ وأما الخبر فمفقود أيضًا لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقًا قطعًا وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون لم يدر على صدقهم دليل وهذا هو المراد من قولهم: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وأما النظر فمفقود من وجهين:
الأول: أن دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب لأنه تعالى أكمل الموجودات والأكمل لا يليق به اصطفاء البنات على البنين بمعنى إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب إلى العقل من إسناد الأَخَسّ إلى الأفضل فإن كان حكم العقل معتبرًا في هذا الباب كان قولكم باطلًا.
الثاني: أن يتركوا بترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات الدليل على صحة مذهبهم فإذا لم يجدوا دليلًا ظهر بطلان مذهبهم، وهذا هوالمراد بقوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ فقوله: ﴿فاستفتهم﴾ فاسأل يا محمد أهل مكة وهو سؤال توبيخ ﴿أَلِرَبِّكَ البنات وَلَهُمُ البنون أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ وهذه جملة حالية من الملائكة، والرابط الواو، وهي هنا واجبة عدم رابط غيره قاله شهاب الدين؛ ويحتمل أن يكون جملة حالية من السؤالين.
قوله: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ العامة على «ولد» فعلًا ماضيًا مسندًا للجلالة، أي أتى بالولد؛ تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، وقرئ: وَلَدُ الله بإضافة الولد إليه أي يقولون الملائكة ولده، فحذف المبتدأ للعلم به، وأبقى خبره، والوَلَدُ فَعَلٌ بمعنى مفَعُولٌ كالقَبَض فلذلك يقع خبرًا عن المفرد والمثنى والمجموع تذكيرًا وتأنيثًا، (تقول: هَذِهِ) وَلَدِي وهُمْ وَلَدِي.
قوله: ﴿أَصْطَفَى﴾ العامة على فتح الهمزة على أنها همزة استفهام بمعنى الإنكار والتقريع، وقد حذف معها همزة الوصل استغناءً عنها. وقرأ نافعٌ في رواية وأبو جَعْفَر
[ ١٦ / ٣٥٠ ]
وشيبةُ والأعمشُ بهمزة وصل تثبت ابتداء وتسقط درجًا وفيه وجهان:
أحدهما: أنه على نية الاستفهام، وإنما حذف للعمل به ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
٤٢٢٦ - قَالُوا: تُجِبُّهَا قُلْتُ: بَهْرًا عَدَدَ الرَّمْلِ وَالْحَصَى وَالتُّرَابِ
أي أتحبها.
والثاني: أن هذه الجملة بدل من الجملة المحكية بالقول وهي: «وَلَد اللَّهِ» أي تقولون كذا وتقولون اصْطَفَى هذا الجنس على هذا الجِنْس.
(قال الزمخشري: وقد قرأ بها حمزة والأعمشُ. وهذا القراءة وإن كان هذا محلها فهي ضعيفة والذي أضعفها) أن هذه الجملة قد اكتنَفَها الإنْكَارُ من جانبيها وذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فمن جعلها للإثبات فقد أوقعها دخيلة بين نسبتين؛ لن لها مناسبةً طاهرةً مع قولهم: «ولد الله» وأما قولهم: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فهي جملة اعتراض بين مقالة الكفرة جاءت للتشديد والتأكيد في كون مقالتهم تلك هي من إفكهم، ونقل أبو البقاء أنه قرئ «آصْطَفَى» بالمد قال: وهو بعيد جدًا.
قوله: ﴿مَالَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ جملتان استفهاميتان ليس إحداهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب استفهم أولًا عما استقر لهم وثبت استفهام إنكار، وثانيًا استفهام تعجب من حكمهم بهذا الحكم الجائر وهو أنهم نسبوا أحسن الجنسين إليهم والمعنى: ما لكم كيف تحكمون لله بالبنات ولكم بالبنين؟ «أفَلاَ تَذَكَّرُونَ» تتعظون «أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبينٌ» برهان بين على أن الله ولد ﴿فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي لكم فيه حجة ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم.
[ ١٦ / ٣٥١ ]
قوله: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَبًا﴾ قال مجاهد وقتادة: أراد بالجنة الملائكة سموا جنة لاجتِنَنِهم عن الأبْصار.
وقال ابن عباس: جنس من الملائكة يقال لهم الجن منهم إبليس، وقيل: إنهم خُزَّان الجنة، قال ابن الخطيب: وهذا القول عندي مُشْكِلٌ؛ لأنه تعالى أبطل قولهم: الملائكة بناتُ الله، ثم عطف عليه قوله: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَبًا﴾ ولاعطف يقتضي كون المعطوف مقابلًا بمعطوف عليه فوجب أن يكون المراد من الآية غير ما تقدم.
وقال مجاهد: قالت كفار قريش الملائكة بنات الله فقال لهم أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سَرَوَاتُ الجِنَّ وهذا أيضًا بعد لن المصاهرة لا تسمّى نسبًا.
قال ابن الخطيب: وقد روينا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾
[الأنعام: ١٠٠] أن قومًا من الزَّنَادِقَة يقولون: إن الله وإبليس أخوان فالله هو الحرّ الكريم إبليس هو الأخر الشديد، فقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَبًا﴾ المراد منه هذا المذهب وهذا القول عندي هو أقرب الأقاويل. وهو مذهب المجوس القائلين بيزدان وأهرمن، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي علمت الجنة أنّ الذين قالوا هذا القول محضرون النار ومعذبون. وقيل: المراد ولقد علمت الجنة أنّ الجنة أنهم سيحضرون في العذاب. فعلى (القول) الأول: الضمير عائد إلى قائل هذا القول وعلى (القَوْلِ) الثَّانِي عَائِدٌ إلى نفس الجنة، ثم إنه تعالى نزَّه نفسه عما قالوا من الكذب فقال ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ قوله: ﴿إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ في هذا الاستثناء وجوه:
أحدهما: أنه مستثنى منقطع والمستثنى منه إما فاعل «جَعَلُوا» أي جعلوا بينه وبين الجنة نسبًا إلى عباد الله؟ .
الثاني: أنه فاعل «يَصِفُونَ» أي لكن عباد الله يصفونه بما يليق به تعالى.
الثالث: أنه ضمير «محضرون» أي لكن عباد الله ناجُون. وعلى هذا فتكون
[ ١٦ / ٣٥٢ ]
جملة التسبيح معترضةً وظاهر كلام أبي البقاء أنه يجوز أن يكون استثناءً متصلًا لأنه قال: مستثنى من «جَعَلُوا» أو «مُحْضَرُونَ» ويجوز أن يكون منفصلًا وظاهر هذه العبارة أن الوجهين الأولين هو فيهما متصل لا منفصل وليس ببعيد كأنه قيل: وجَعَلَ الناسَ، ثم استثنى منهم هؤلاء وكل من لم يجعل بين الله وبين الجنة نسبًا فهو عند الله مُخْلَصٌ من الشِّرك.
[ ١٦ / ٣٥٣ ]