قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا ﴾ الآيات. لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم سلاه أيضًا بذكر قصة موسى ﵊ ُ وأنه مع قوته ومعجزته بعثه إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارونَ فكذبوه، وقالوا: ساحر كذاب، فلما جاءهم بالحق من عندنا أي بتلك الآيات الباهرة والسلطان المبين وهو المعجزات القاهرة قالوا يعني فرعون وقومه اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، قال قتادة: هذا غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الوِلْدَانِ فلما بعث موسى دعا بالقتل عليهم لئلا ينشأوا على دين موسى فيقوَى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات فلهذا أمر بقتل الأبناء واسْتَحْيُوا نِساءهم ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته ثم قال: ﴿وَمَا كَيْدُ الكافرين﴾ أي وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم إلا في ضلال.
قوله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ أي وقال فرعون لِمَلئِهِ ﴿ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ فتح ابن كثير ياء «ذروني» وسكنها الباقون. وإنما قال فرعون ذلك؛ لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى وفي منعهم من قتله احتمالان:
الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه:
الأول: لعله كان فيه من يعتقد بقلبه كون موسى صادقًا فيتحيل في منع فرعون من قتله.
وثانيهما: قال الحسن: إن أصحابه قالوا له: لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا
[ ١٧ / ٣٦ ]
يمكن أن يغلب سَحَرَتَنَا وإن قَتَلْتَهُ أدخلتَ الشبهةَ على الناس ويقولوا: إنه كان محقًا وعجزا عن جوابه فقتلوه.
وثالثها: أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام؛ لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكِهِم بخصمٍ خارجي حتى يصيروا آمنين من قلب ذلك الملك.
الاحتمال الثاني: أن أحدًا ما منع فرع من قتل موسى وأنه كان يريد قتله، إلا إنه كان خائفًا من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرات تمنعه من قتله فيفتضح إلا أنه ق ذروني أقتل موسى وغرضه منه إخفاء خوفه.
قوله: «ولْيَدْعُ رَبَّهُ» أي وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله فيمنعه منا؛ ذكر ذلك استهزاءًا.
قوله ﴿إني أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد﴾ قرأ الكوفيون ويعقوبُ (أو أن) بأو التي للإبهام ومعناه أنه لابد من وقوع أحد الأمرين والباقون بواو النسق على تسلط الخوف من التبديل وظهور الفاسد معًا. وفتح نافع وابن كثير وابو عمرو الياء من «إِنِّي أخاف»؛ وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص «يُظْهر» بضم الياء وكسر الهاء من أظهر، وفاعله ضمير موسى ﵊ ُ «الفَسَادَ» نصبًا على المفعول به والباقون بفتح الياء والهاء من ظَهَرَ الفسادُ، «الفَسَادُ» رفعًا، وزيد بن علي يُظْهَرُ مبنيًا للمفعول الفَسَاد مرفوع لقيامه مقام الفاعل ومجاهد «يَظَّهَّر» بتشديد الظاء والهاء، وأصلها يَتَظَهَّر من تَظَهَّر بتشديد الهاء فأدغم التاء في الظاء، «الفسادُ» رفع على الفاعلية.
فصل
ذكر فرعونُ النسبَ الموجبَ لقتل موسى وهو أن المُوجِبَ لقتله إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعيًا في إفساده اعتقدوا أنه ساع في إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سببًا لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبّهم لأمالهم لا جَرَمَ بدأ فرعونُ بذكر الدين فقال: ﴿إني أخاف أن يبدل
[ ١٧ / ٣٧ ]
دينكم﴾ ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال أو أن يظهر في الأرض الفاسد.
قوله: ﴿وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة واكسائي عُدتّ بإدغام الذال، والباقون بالإظهار. وقوله «لاَ يُؤْمِنُ» صفة «لِمُتَكَبِّرٍ» .
فصل
لما توعد فرعونُ موسى بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله واعتمد على فضل الله فلا جَرَمَ صانه الله وحفظه منه. واعلم أن الموجب للإقدام على أيذاء الناء أمران:
أحدهما: كون الإنسان متكبرًا قاسِيَ القلب.
والثاني: كونه منكرًا للعبث والقيامة.
لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقرًّا بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعًا له من الجري على موجب تكبّره فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعيًا له إلى الإيذاء، لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائلٌ فلا جَرَمَ تعظيم القَسْوةُ والإيذاء.
وقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ اختلفوا في هذا المؤمن، قال مقاتل والسدي: كان قبطيًا. (وقيل) ابن فرعون، وهو الذي حكى الله عنه ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ [القصص: ٢٠] وقيل: كان إسرائيليًا، روي عن النبي ﷺ َ أنه قال: الصديقون حبيب النجار مؤمن آل ياسين ومؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم، وعن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيرا من مؤمن آل فرعون، لأنه كان يكتم إيمانه، وقال أبو بكر جهارًا أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وكان ذلك سرًا، وهذا جهرًا. روى عروةُ بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنعهُ المشركون برسول الله ﷺ َ قال: «بَيْنَا رسولُ الله ﷺ َ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عبقةُ بن أبي مُعَيْط فأخذ يمنكب رسول الله ﷺ َ فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا وأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله ﷺ َ وقال أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟» .
قال بان عباس وأكثر العلماء كان اسم الجرل خزييل. وقال ابن إسحاق جبريل، وقيل حبيب.
[ ١٧ / ٣٨ ]
قوله: «رَجُلٌ مُؤْمِنٌ» الأكثرون قرأُوا بضم الجيم، وقرىء رَجِلَ بكسر الجيم كما يقال: عَضِدٌ في عَضُدٍ. وقرأ الأعمش وعبد الوارث بتسكينها وهي لغة تميمٍ ونجد والأولى هي الفصحى.
قوله «من آل» يحتمل أن يكون متعلقًا «بيكْتُمُ» بعده أي يكتم إيمانه من آل فرعون.
قيل: هذا الاحتمال غير جائز؛ لأنه لا يقال: كتمتُ من فلانٍ كذا، إنما يقال: كتمته كذا، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] بل الظاهر تعلقه بمحذوف صفةً لرجل.
قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون متعلقًا بقوله: «مؤمن» وإن كان ذلك المؤمن شخصًا من آل فرعون.
قال شهاب الدين: وجاء هنا على أحسن ترتيب حيث قدم المفرد ثم ما يقرب منه وهو حرف الجر ثم الجملة وقد تقدم أيضًا هذه المسألة في المائدة وغيرها ويترتب على الوجهين هل كان هذا الرجل من قرابة فرعون فعلى الأولى لا دليل فيه، وقد رد بعضهم الأول بما تقدم، وأنه لا يقال: ك تمت من فلان كذا إنما يقال: كتمت فلانًا كذا فيتعدى لاثنين بنفسه، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقال الشاعر:
٤٣٣٢ - كَتَمْتُكَ هَمًّا بالجَمُومَيْنِ سَاهِرًا وَهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وَظَاهِرَا
أَحَادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي مَا يَرِيبُها وَوِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصَادِرَا
أي كتمتك أحاديث نفس وهمين، فقدم المعطوف على المعطوف عليه ومحلّه الشعر.
[ ١٧ / ٣٩ ]
قوله ﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ﴾ أي كراهة أن يقول، أو لأن يقول. قال الزمخشري: ولك أن تقدر مضافًا محذوفًا أي وقت أن يقول والمعنى أتقتلونه ساعة سمتعم منه هذا القول من غير روية ولا فكر (في أمره) وهذا الذي أجازه رده أبو حيان بأن تقدير هذا الوقت لا يجوز إلا مع المصدر المصرّح به، تقول: صِيَاحَ الدِّيكِ أي وقت صياحه، ولو قلت: أجيئك أَنْ صَاحَ الديك أو أَنْ يَصِيحَ لم يصح نص عليه النحويون
قوله: «وقد جاءكم» جملة حالية، يجوز أن تكون من المفعول.
فإن قيل: هو نكرة.
فالجواب: أنه في حيِّز الاستفهام وكل ما سوغ الابتداء بالنكرة سوغ انتصاب الحال عنها، ويجوز أن تكون حالًا من الفاعل.
فصل
لما حكى الله تعالى عن موسى ﵊ ُ أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله بين أنه تعالى قَيَّضَ له إنسانًا أجنبيًا حتى ذب عنه بأحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، وذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الإنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: ربي الله وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتةَ فقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
الأول: أن قوله «ربي الله» إشارة إلى تعزيز النبوة بإظهار المعجزة.
الثاني: أن قوله «رَبِّي اللهُ» إشار إلى التوحيد.
وقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتلِهِ غير جائز، وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال: إن كان هذا الرجل كاذبًا كان وبال كذبه عائدًا عليه فاتركوه وإن كان صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم فعلى كلا التقديرين الأولى إبقاؤه حيًّا.
فإن قيل: الإشكال على هذا الدليل من وجهين:
[ ١٧ / ٤٠ ]
الأول: أن قوله ﴿يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ معناه أن (ضرر) كذبه مقصور عليه ولا يتعداه، وهذا كلام فاسد لوجوه:
أولها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذبًا يكون ضرر كذبه مقصورًا عليه لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل ويغتر به جماعة ويقعون في المذهب الباطل والاعتقاد السيّىء ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصوماتُ الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذبًا لم يكن ضرر كذبه مقصورًا عليه بل يكون متعديًا إلى الكل، ولهذا أجمع العلماء علىأن الزِّنْدِيقَ الذي يدعو الناس إلى زَنْدَقَتِهِ يجب قتله.
وثانيها: أنه إن كان هذا الكلام حجة فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة فيمكن جميع الزنادقة والمُبْطِلَة من أديانهم الباطلة.
وثالثها: أن الكفار الذين انكروا موسى ﵊ ُ يجب أن لا يجوز الإنكار عليهم لأنه يقال إن كان ذلك المنكر كاذبًا في ذلك الإنكار فعليه كذبه وإن يك صادقًا فما انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذه الطريق صَوَّبَتْ صدقه وما أفضى ثُبُوتُه إلى عدم صدقه كان فاسدًا.
الوجه الثاني: كان من الواجب أن يقال: وإنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ كُلُّ الَّذِي يَعِدُكُمْ؛ لأن الذي يصيب من بعض الذي يَعِدُ دون البعض هو الكفار والمنجمون. أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقًا في كل ما يقول فكان قوله: ﴿يصيبكم بعض الذي يعدكم﴾ غير لائق بهذا المقام.
والجواب عن الأسئلة الثلاثة بأن تقدير الكلام (أنه) لا حاجة لكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه من إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذبًا فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه وإن كان صادقًا فما انتفعتم به.
والمقصود من ذلك التقسيم أنه لا حاجة بكم إلى قتله بل يكفيكم أن تُعْرِضُوا عنه وأن تمنعوه من إظهار دينه. وأما الجواب عن الوجه الثاني: وهو قوله كان الأولى أن يقال: «يصيبكم كل الذي يعدكم» فهو من وجوه:
الأول: أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك اللَّجَاجِ؛ لأَنَّ المقصود منه وإن كان كاذبًا كان ضرر كذبه مقصورًا عليه وِإن كان صادقًا فلا أقلَّ من أن يصيبكُم بعض ما يعدكم وإن كان المقصود من الكلام هذا صح، ونظيره قوله ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبا: ٢٤] .
[ ١٧ / ٤١ ]
والثاني: أنه ﵊ ُ كان يتوعّدهم بهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصبهم بعض الذي وعدهم به.
الثالث: قال الزمخشري: «بعض» على بابها وإنما قال ذلك ليهضم موسى بعضَ حَقِّهِ في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيًا فضلًا عن أن يتعصب له. وهذا أحسن من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل، وأَنْشَدَ قَوْلَ لَبيدٍ:
٤٣٣٣ - تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُها
وأنشد أيضًا قول عمرو بن شُيَيْمٍ:
٤٣٣٤ - قَدْ يُدْرِكُ المُتأنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ وَقَدْ يَكُونُ مع المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقول الآخر:
٤٣٣٥ - إنَّ الأُمُورَ إذَا الأَحْدَاثُ دَبَّرهَا دُونَ الشُّيُوخِ تَرَى فِي بَعْضِهَا خَلَلاَ
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف فهموا «الكل» من البيتين الأخيرين، وأما الأول ففيه بعض دليل لأن الموت يأتي على الكل. قال ابن الخطيب: والجمهور على أن هذا القول خطأ قالوا: وأراد لبيدٌ ببعض النفوس نفسه، ومعنى البيت أنه وصف نفسه
[ ١٧ / ٤٢ ]
أنه نَزَّالُ أمكنةٍ أي كثيرُ المنزول في أماكن لا يرضاها إلا أن يربط نفسه الحِمام وهو الموت، وقال اللَّيْثُ: بعض ههنا صلة يُريد يصبكم الذي يعدكم. لما حكى الزمخشري قول أبي عبيدة أن «بعض» بمعنى «الكل» وأنشد عنه بيت لبيد قال: إن صحت الرواية عنه فقد حق فيه قولُ المَازِنِيِّ في مسألة العَلْقَى: كان أجْفَى من أن يفقه ما أقول له. قال شهاب الدين: ومسألة المازني معه: هي أن أبا عبيدة قال للمازني: ما أكذب النحويين يقولون هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث، فإن الألف في عَلْقَى ملحقة، قال: فقلت له وما أنكرت من ذلك؟ فقال: سمعت رؤبة يُنْشِدُ:
٤٣٣٦ - يَنْحَطُّ فِي عَلْقَى . .
فمل ينونهنا، فقلت: ما واحد علقى؟ قال: عَلْقَاة، قال المازني: فأَسِفْتُ ولم أفسر له لأنه كان أغلظمن أن يفهم مثل هذا. قال شهاب الدين: وإنما استغلظه المازني؛ لأن الألف التي للإلحاق قد تدخل عليها تاء التأنيث (دالة على الوحدة فيقال: أَرْطَى، وأَرْطَامة، وإنما الممتنع دخولها على ألف التأنيث) نحو: دَعْوَى، وصَرْعَى.
وأما عدم تنوين «علقى» فلأنه سمَّى بها شيئًا بعينه، وألف الإلحاق المقصورة حال العلمية تجري مجرى تاء التأنيث فيمتنع الاسم الذي هو فيه كما يمتنع فاطمةُ وينصرفُ قَائِمة.
قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ وفيه احتمالان:
الأول: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى ﵊ ُ والمعنى أن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفًا كذَّابًا فدل على أن موسى لي من الكذابينَ.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد أن فرعون مسرفٌ في عزمه على قتل موسى كذابٌ في ادعائه الإلَهيَّة وةالله لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ ِأمره.
[ ١٧ / ٤٣ ]
قوله: ﴿يا قوم لَكُمُ الملك اليوم﴾ اعلم أن مؤمن آل فرعون لما استدل على أنه لا يجوز قتل موسى خوف فرعون وقومه ذلك العقاب الذي توعّدهم به فيوقوله ﴿يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ فقال: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض. أي أرض مصر يعني قد علوتم الناس وقَهَرْتُمُوهُمْ فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حلَّ بكم، وإنما قال «يَنْصُرُنَا وَجَاءَنَا»؛ لأنه كان يظهر أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه.
قوله «ظَاهِرينَ» حال من الضمير «لكم» والعامل فيها وفي اليوم ما تعلق به «لكم» .
ولما قال المؤمن هذا الكلام قال فرعون: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى﴾ هي من رؤية الاعتقاد فيتعدى لمفعولين ثانيهما: «إلاَّ مَا أرَى» أي إلا ما أرى لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم. قوله ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ العامة على تخفيف الشين، مصدر رَشَدَ يَرْشُدُ. وقرِأ معاذ بن جبل بتشديدها، وخرجها أبو الفتح وغيره على أنها صفة مبالغة، نحو ضَرَبَ فهو ضَرَّاب، وقال النحاس: هو لحن، وتوهمه من الرباعي يعني أرشد، ورد على النحاس قوله: بأنه يحتمل أن يكون من «رشد» الثلاثي، وهو الظاهر، وقد جاء فعال أيضًا من أفعل وإن كان لا ينقاس، قالوا: أدْرَكَ فَهُوَ دَرَّاك وأجْبَرَ فهو جَبَّار، وأَقْصَرَ فهو قَصَّار، وأَسْأرَ فهو سَئَّار. ويدل على أنه صفة مبالغة أن معاذًا كان يفسرها بسبيل الله.
قال ابن عطية: ويبعد عندي على معاذ ﵁ وهل كان فرعون يدعي إلا الإلَهيَّةَ؟ ويعلق بناء اللفظ على هذا التركيب. قال شهاب الدين يعني ابن عطية أنهن
[ ١٧ / ٤٤ ]
كيف يقول فرعون ذلك فيقر بأنَّ ثمَّ من يهدي إلى الرشاد غيره مع أنه يدعي أنه إله.
وهذا الذي عزاه ابن عطية والزمخشري وابن جبارة صاحب الكامل إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس هو في «الرَّشَادِ» الذي هو في كلام فرعون كما توهموا، وإنما هو في «الرَّشَادِ» الثاني الذي هو من قول المؤمن بعد ذلك. ويدل على ذلك ما روى أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح: وقرأ معاذ بن جبل سبيل الرشاد الحرف الثاني بالتشديد وكذلك الحسن وهو سبيل الله تعالى أوضحه لعباده كذلك فسره معاذ (بن جبل) وهو منقول من مُرْشِد كدَرَّاك من مدرك، وجبار من مجبر، وقصَّار من مقصِر عن الأمر، ولها نظائر معدودة فأما قصّار الثوب فهو من قصرت الثوب قِصَارَةً. مفعلى هخذا يزول إشكال ابن عطية المتقدم ويتضح القراءة والتفسير. وقال أبو البقاء وهو الذي يكثر منه الإرشاد أو الرشد يعني أنه يحتمل أن يكون من «أَرْشَدَ» الرباعي، أو «رَشَدَ» الثلاثي، والأولى أن يكون من الثلاثي لما عرفت أنه ينقاس دون دو الأول.
قوله: ﴿ياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب﴾ اعلم أنه تعالى (لما) حكى عن ذلك المؤمن أنه (كان) يكتم إيمانه والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون فلهذا السبب حصل ههنا قولان:
الأول: أن فرعون لما قال ذروني أقْتُلْ موسى لم يصرِّح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى بل أوهم أنه على دين فرعنون إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي إبقاء موسى؛ لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة، وهذا لا يوجب القتل، فالإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بقبح الكلمات بل الأولى تأخير قتله ومنعه من إظهار دينه لأنه إن كان كاذبًا فَوَبَالُ كَذِبِهِ عليه، وإن كان صادقًا حصل الانتفاع به من بعض الوجوه. ثم أكد ذلك بقوله ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ يعنى أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب،
[ ١٧ / ٤٥ ]
فأوهم بقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أنه يريد موسى، وإنما كان يقصد به فرعون؛ لأن المسرف الكذاب هو فرعون.
والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولًا فلما قال فرعون ذروني أقتل موسى أزال الكتمان وأظهر أنه على دين موسى وشَاقَّ فرعون بالحق وقال: يا قوم إنِّي أخاف عليكم مثلَ يوم الأحزاب أي مثل أيام الأحزاب إلا أنه لما أضاف اليومَ إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، وكان لكل حزب يوم في العذاب اقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس.
قوله: «مِثْلَ دأبِ» يجوز أن يكون «مثل» بدلًا، وأن يكون عطف بيان والمعنى مثل دأبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي دائمًا لا يفترون عنه.
ولا بدّ من حذف مضاف يريد م ثل جزاء دأبهم. والحاصل أنه خوفهم الهلاك في الدنيا ثم خوفهم هلاك الآخرة ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ أي لا يُهْلِكُهُمْ قبل إقامة الحجة عليهم، والمقصود التنبيه على عذاب الآخرة يعنى أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلًا بأنهم استوجبوه بتكذيبهم الأنبياء، وتلك العلة قائمة هنا فوجب حصول الحكم هنا.
قالت المعتزلة: وما الله يريد ظلمًا للعباد يدل على أنه لا يريد أن يظلم العباد، ولا يريد الظلم من أحد العباد التبة، ولو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالمًا، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضًا أنه قادر على الظلم إذ لو لم يقدر عليه لما حصل التمدح بترك الظلم، وهذا الاستدلا ل قد تقدم مرارًا مع الجواب.
قوله (تعالى): ﴿وياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد﴾ التناد تفاعل من النداء يقال: تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضًا، والأصل: الياء، وقد تقدم الخلاف في يائه كيف تحذف والأصل تَنَادُيًا بضم الدال ولكنهم كسروها؛ لِتَصحذَ الياءُ. وقرأت طائفة بسكون الدال إجراء للوصل مجرى الوقف، وتنادى القوم أي نادى بعضهُم بَعْضًا، قال (الشَّاعِرُ ﵀):
[ ١٧ / ٤٦ ]
٤٣٣٧ - تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِسًا فَقُلْنَا عُبَيْدَ اللهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وقال آخر:
٤٣٣٨ - تَنَادَوْا بَالرَّحِيلِ غَدًا وَفِي تَرْحَالِهِمْ نَفْسِ
وقرأ ابن عباس والضحاك والكلبي وأبو صالح وابن مقسم والزعفراني في آخرين بتشديدها مصدر تَنَادَّ من: نَدَّ البَعِيرُ إذَا هَرَبَ ونَفَرَ، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] الآيات ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى بعد ذلك: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال أبو علي: التَّنادي مخففًا من التناد من قولهم نَدَّ فلانٌ إذا هرب. وفي الحديث: «جَوْلَةً يَنِدُّونَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ مَهْرَبًا» وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ:
٤٣٣٩ - وَبَثَّ الخَلْقَ فِيهَا إذْ دَحَاهَا فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِي
قوله: «يَوْمَ تُوَلُّونَ» يجوز أن يكون بدلًا من «يوم التناد» وأن يكون منصوبًا بإضمار «أعني» . ولا يجوز أن يكون عطف بيان، لأنه نكرة وما قبله معرفة، وقد تقدم في قوله ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] أن الزمخشري جعله بيانًا مع تخالفهما
[ ١٧ / ٤٧ ]
تعريفًا وتنكيرًا وهو عكس هذا، فإن الذي نحن فيه الثاني نكرة، والأول معرفة.
قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يجوز في «من عاصم» أن يكون فاعلا بالجار، لاعتماده على النفي، وأن يكون مبتدأ أو من مزيدة على كلا التقديرين، ومن الله متعلق بعَاصِمٍ.
فصل
أجمع المفسرون على أن يوم التنادي (هو) يوم القيامة وفي تسميته بهذا الاسم وجوه:
قيل: لأن أهل النار ينادون أصحابَ الجنة، وأصحاب الجنة ينادون أصحابَ النار كما حكى الله عنهم.
وقال الزجاج: هو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] .
وقيل: ينادي بعضُ الظالمينَ بعضًا بالويْل والثُّبُور، فيقولون: يَا وَيْلَنَا. وقيل: يُنَادَوْنَ إلى المحشر وقيل ينادي المؤمن: هَاؤُم اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ، والكافر: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وقيل: ينادى باللَّعَنةِ على الظالمين، وقيل: يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، وقيل: ينادى بالسعادة والشقاوة ألا إنَّ فلان بان فلان سِعِدَ سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وفلان بان فلان شقي شقاوة فلا يسعد بعدها أبدًا.
وقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال الضحاك: إذا سمعوا زفيرَ النار نَدُّوا هربًا فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفًا فيرجعون إلى مكانهم فذلك قوله: ﴿والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: ١٧] وقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: ٣٣] . قال مجاهد ﵁: فارِّينَ عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يعصمكم من عذابه، ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
[ ١٧ / ٤٨ ]
قَوْلُهُ (تَعَالَى): ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾ يعني يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالبينات، ونقل الزمخشري أنه قبل يوسف بن إبراهيمخ بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفًا وعشرين سنة وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بَقِيَ حيًّا إلى زمانه، وقيل: هو فرعون آخر. والمقصود من الكل شيء واحد هو أن يوسف حاء قومه بالبينات هي قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩] والأولى أن يُراد بها المعجزات.
واعلم أن مؤمن آل فرعنونه لما قال لهم: ومن يضلل الله فما له من هاد ذكر هذا المثال وهو أن يوسف جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على التكذيب ولم ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على (أن) من أضله الله فما له من هاد، ثم قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ﴾ قال ابن عباس (﵁): من عبادة الله وحده لا شريك له، فلم ينتفعوا ألبتة بتلك البينات.
قوله «حَتَّى إذَا» غاية لقوله ﴿فما زلتم في شك﴾، فَلَمَا هَلَك ﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله تعالى لا يجدد عليكم الحجة، وقرىء ألن يبعث الله بإدخال همزة التقرير يقرّر بعضهم بعضًا.
قوله: «كَذَلِكَ» أي الأمر كذلك، أو مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف كذاب في عصيانه مرتاب في دينه، فقوله «يضل الله» مستأنف، أو نعت مصدر أي مثل إضلال الله إياكم حين لم تقبلوا من يوسف يضل الله من هو مسرف.
ثم بين تعالى ما لأجله بقُوا في ذلك الشك والإسراف فقال: ﴿الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي بغير حجة إما بناء على التقليد، وأما بناء على شبهات خسيسة.
قوله: «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ» يجوز فيه عشرة أوجه:
أحدها: أنه بدل من قوله «من هو مسرف» وإنما جمع اعتبارًا بمعنى «من» .
[ ١٧ / ٤٩ ]
الثاني: أن يكون بيانًا له.
الثالث: أن يكون صفة له وإنما جمع على معنى «من» أيضًا.
الرابع: أن ينتصب بإضمار أعني.
الخامس: أن يرتفع خبر مبتدأ مضمر أي هم الذين.
السادس: أن يرتفع مبتدأ خبره «يَطْبَعُ اللهُ»، و«كذلك» خبر مبتدأ مضمر أيضًا أي الأمر كذلك، والعائد من الجملة وهي يطبع على المبتدأ محذوف أي على كل متكبر منهم.
السابع: أن يكون مبتدأ، والخبر «كَبُرَ مَقْتًا» ولكن لا بُدّ من حذف مضاف ليعود الضمير من «كبر» عليه والتقدير: قال الذين يجادلون كَبُرَ مقتًا، ويكون «مَقْتًا» تمييزًا، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير كبر مَقْتُ حالهم أي جادل المجادلين.
الثامن: أن يكون «الَّذِينَ» مبتدأ أيضًا، ولكن لا يقدر حذف مضاف، ويكون فاعل كبر ضميرًا عائدًا على ما تقدم أي كبر مقت جدالهم.
التاسع: أن يكون «الذين» مبتدأ أيضًا، والخبر ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قاله الزمخشري. ورده أبو حيان بأن فيه تفكيك الكلام بضعه من بعض؛ لأن الظاهر تعلق «بغَيْرِ سُلْطَانٍ» «بِيُجَادِلُونَ» ولا يتعلق جعله خبرًا «للذين» لأنه جار ومجرور فيصير التقدير: الذي يجادلون كائنونَ أو مستقرونَ بغير سلطان أي في غير سلطان؛ لأن الباء إذْ ذَاكَ ظرفية خبرٌ عن الجثث.
العاشر: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي معاندون ونحوه قاله ِأبو البقاء.
قوله: «كَبُرَ مَقْتًا» يحتمل أن يراد به التعجب والاستفهام، وأن يراد به الذم «كبئس» وذلك أنه يجوز أن يبنى (فَعُلَ) بضم العين مما يجوز فيه التعجب منه، ويَجْرِي مَجْرَى نِعْمَ وَبِئْسَ في جميع الأحكام، وفي فاعله ستة أوجه:
[ ١٧ / ٥٠ ]
الأول: أنه ضمير عائد على حال المضاف إلى الذين، كما تقدم تقريره.
الثاني: أنه ضمير يعود على جدالهم المفهوم من «يُجَادِلُونَ» كما تقدم تقريره أيضًا.
الثالث: أنه الكاف في «كَذَلِكَ» . قال الزمخشري: وفاعل «كَبُرَ» قوله: كذلك، أي كَبُرَ مقْتًا مِثْل ذَلِكَ الجِدال، و«يَطْبَعُ اللهُ» كلام مستأنف.
ورده أبو حيان: بأ، فيه تفكيكًا للكلام وارتكابَ مذهب ليس بصحيح، أما التفكيك فلأن ما جاء في القرآن من «كَذَلِكَ يطبع أو تطبع» إنما جاء مربوطًا بعضه ببعض، وكذلك هذا وأما ارتكاب مذهب غير صحيح فِإنه جعل الكاف اسمًا، ولا يكون اسمًا إلا في ضرورة خلافًا للأخفش.
الرابع: أن الفاعل محذوف نقله الزمخشري، قال: ومن قال كبر مقتًا عند الله جِدَالهُم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه. قال شهاب الدين: القائل بذلك هو الحَوْفِيُّ لكنه لا يريد بذلك تفسير الإعراب إنما يريد به تفسير المعنى، وهو معنى ما تقدم من أنّ الفاعل ضمير يعود على جدالهم المفهوم من فعله، فصرح به الحوفي بالأصل، وهو الاسم الظاهر، ومراده ضمير يعود عليه.
الخامس: أن الفاعل ضمير يعود على ما بعده، وهو التمييز، نحو: نعم رجلًا زيد، وبئس غلامًا عَمْرو.
السادس: أنه ضمير يعود على من في قوله: «من هو مسرف» وأعاد الضمير من كبر مقتًا اعتبارًا بلفظها وحينئذ يكون قد راعى لفظ من أولًا في قوله كبر مقتًا.
وهذا كله إذا أعربت «الذين» تابعًا ل ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ نعتًا أو بيانًا، أو بدلا. وقد تقدم أن الجملة من قوله «كبر مقتًا» فيها وجهان:
أحدهما: الرفع، إذا جعلناها خبر المبتدأ.
والثاني: أنها لا محل لها، إذا لم نجعلها خبرًا، بل هي جملة استئنافية.
وقوله: «عِنْدَ الله» متعلق «بكَبُرَ»، فكذلك قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفًا وأن يكون فاعلًا وهم ضعيفان.
والثالث وهو الصحيح: أنه معمول ل «يَطْبَعُ» أي مثل ذلك الطبع يطبع الله، و«يطبع الله» فيه وجهان:
[ ١٧ / ٥١ ]
أظهرهها: أنه مستأنف.
والثاني: أنه خبر للموصول كما تقدم.
قوله: «قَلْبِ متكبّر» قرأ أبو عمرو، وابن ذَكْوَانَ بتنوين «قَلْبٍ»، وصف القلب بالتكبر والجبروت لأنهما ناشئان منه، وإن كان المراد الجملة، كما وصف بالإثم في قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وفي قوله: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] قال بان الخطيب: «وأيضًا قال قوم: الإنسان الحقيقي هو القلب» والباقون بإضافة «قلب» إلى ما بعده، أي كُلِّ قَلْبِ شخصٍ متكبرٍ. قال أبو عبيد: الاختيار الإضافة، لوجوه:
الأول: أن عبد الله قرأ: «على قلب كمل متكبر» وهو شاهد لهذه القراءة.
الثاني: أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما. وقد قدر الزمخشري مضافًا في القراءة الأولى، أي على كُلّ ذِي قلبٍ متكبر، فجعل الصفة لصاحبِ القلب. قال أبو حيان: «ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد الحذف» . قال شهاب الدين: بل ثَمَّ ضرورة إلى ذلك، وهو توافقُ القراءتين واحدًا وهو صاحب القلب بخلاف عدم التقدير، فإنه يصير الموصوف في إحداهما القلب وفي الأخرى صاحبه.
فصل
قال الزَّجَّاجُ: قوله: «الذين» تفسير ل «المسرف المرتاب»، يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي في إبطالها بالتكذيب «بغير سلطان» حجة، «أتاهم»، «كبر مقتًا» أي كبر ذلك الجدال مقتًا عند الله وعند الذين آمنوا. ودلت الآية على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد مقت بعض عباده، إلا أنها صفة التأويل في حق الله، كالغضب، والحياء، والعجب.
ثم بين أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك حصل عند الذين آمنوا، قال القاضي: مقت الله إياهم يدل على أن كل فعل ليس بخلق لا أنّ كونه فاعلًا للفعل، وما قاله محال.
[ ١٧ / ٥٢ ]
فصل
قد تقدم الكلام في الطبع، والرَّيْنِ، والقَسوة، قال أهل السنة: قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ يدل على أن الكل مِنْ عند الله. وقالت المعتزلة: الآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل، لأنه كان في نفسه متكبرًا جبارًا. قال ابن الخطيب: وعند هذا تصيِرُ الآية حجة لكل واحد من الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الثاني يخرج عليه رُجْحَانُ مذهبنا، وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعو إلى الطاعة، والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدر حقًا، فيكون تعليل القلب بكونه متكبرًا متجبرًا باقيًا، فثبت أن القول بالقضاء والقدر هو ما ينطبق عليه لفظ القرآن من أوله لي آخره.
فصل
قال مقاتل: الفرق بين المتكبر، والجبار، أن المتكبر عن قبول التوحيد، والجبار في غير حق. قال ابن الخطيب: كما السعادة في أمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله، والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله.
[ ١٧ / ٥٣ ]