قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي جعلنا هذا الكتاب الذي يقرؤه على الناس قرآناه أعجميًّا بغير لغة العرب ﴿لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ أي هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمها.
قوله: «أَأَعْجَمِيٌّ» قرأ الأخوان وأبو بكر بتحقيق الهمزة، وهشام بإسقاط الأولى، والباقون: بتسهيل الثانية بَيْنَ بَيْنَ. وأما المدّ فقد عرف حكمه من قوله: ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] في أول الكتاب. فمن استفهم قال معناه أكتاب أعجمي ورسول عربي؟
وقيل: ومرسل إليه عربي؟ وقيل: معناه بعضه أعجمي وبعضه عربي؟ ومن لم يثبت همزة الاستفهام فيحتمل أنه حملها لفظًا وأرادها معنى، وفيه توافق القراءتين، إلا أن ذلك لاي يجوز عند الجمهور إلا إذا كان في الكلام «أم» نحو: بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ.
[ ١٧ / ١٤٨ ]
فإن لم يكن «أم» لم يجز إلا عند الأخفش. وتقدم ما فيه.
ويحتمل أن يكون جعله خبرًا محضًا ويكون معناه: هلا فُصِّلت آياتُهُ فكان بعضها أعجميًا يفهم العجم وبضعه عربيًا يفهمه العرب. والأعجمي من لا يفصح، وإن كان من العرب وهو منسوب إلى صفته، كأحمريّ، ودوّاريّ؛ فالياء فيه للمبالغة في الوصف وليس فيه حقيقيًا. وقال الرازي في لوامحه: فهو كياء كُرْسيّ وبختيّ.
وفرق أبو حيان بينهما فقال: ليست كياء كُرسيّ، فإنَّ ياء كرسيِّ وبختيّ بُنِيَت الكلمة عليها بخلاف ياء «أعْجَمِيٍّ» فإنهم يقولون: رجلٌ أعجم وأَعجميٌّ.
وقرأ عمرو بن ميمونٍ أعَجميّ بفتح العين وهو منسوب إلى العجم والياء فيه للنسب حقيقة، ويقال: رجلٌ عجميّ وإن كان فصحيًا. وقد تقدم الفرق بينهما في سورة الشعراء. وفي رفع أعجمي ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره أعجمي وعربي يستويان.
والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي القرآن أعجمي والمرسل به عربيٌّ.
والثالث: أنه فاعل فعل مضمر، أي أيستوي عجميٌّ وعربيٌّ. إذ لا يحذف الفعلُ إلا في مواضع تقدم بيانها.
فصل
قال المفسرون: هذا استفهام على وجه الإنكار، لأنهم كانوا يقولون: المُنزَّلُ عليه عربي، والمُنَزَّلُ أعجمي وذلك أن رسول الله ﷺ َ كان يدخل على يسار غلام
[ ١٧ / ١٤٩ ]
عامر بن الحضرمي وكان يهوديًّا أعجميًا يكنى أبا فكيهة، فقال المشركون: إنما يعلمه يسار فضربه سيده وقال: إنك تعلِّمُ محمدًا فقال يسار: هو يعلّمني، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن الخطيب: نقلوا في نزول هذه الآية أن الكفار لأجل التعنت قالوا: هلا نزل القرآن بلغة العجم فنزلت هذه الآية. وعندي: أن أمثال هذه الكلمات فيها حذف عظيم على القرآن، لأن يقتضي ورود آيات لا تعلق للبعض فيها بالبعض، وأنه يوجب أعظم أنواع الطعن فكيف يتم مع التزام مثل هذه الطعن ادعاه كونه كتابًا منتظمًا؟! فضلًا عن ادِّعاء كونه معجزًا؛ بل الحق عندي أن هذه السورة من أولها إلى آخرها كلام واحد على ما حكى الله عنهم من قولهم ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذننا وقر﴾ وهذا الكلام متعلق به أيضًا وجوب له والتقدير: إنا لو أنزلنا هذا القرآن بلغة العجم لكانه لهم أن يقولوا: كيف أرسلت الكلام العجمي إلى القوم العرب؟ ويصح لهم أن يقولوا: قلوبنا في أكنة من هذا الكلام، وفي آذاننا وقر منه لأنا لا نفهمه ولا نحيط بمعناه.
أما لمَّا نزل هذا الكتاب بلغة العرب وبألفاظهم وأنتم من أهل هذه اللغة فيكف يُمكنكم ادعاء أن قلوبكم في أكنة منها وفي آذانكم وقر منها؟! فظهر أنا إذا جعلنا هذا الكلام جوابًا عن ذلك الكلام بقيت السورة من أولها إلى آخرها على أحسن وجوه النظم، وأما على الوجه الذي يذكره الناس فهو عجيبٌ جدًّا.
قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ﴾ أي قل يا محمد هو يعني القرآن للذين آمنوا هدى وشفاء هدى من الضلالة وشفاء لما في القلوب. وقيل: شفاءٌ من الأوجاع. قال ابن الخطيب: هذا متعلق بقولهم: ﴿قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ . . الآية [فصلت: ٥] كأنه تعالى يقول: إن هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكمخ لا بلغة أجنبية عنكم فلا يمكنكم أن تقولوا قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا هذه اللغة فكل من أعطاه الله تعالى طبعًا مائلًا إلى الحق، وقلبًا داعيًا إلى الصدق وهمَّةً تدعوه إلى بذل الجهد في طلب الدين فإن هذا القرآن يكون في حقه هُدًى وشفاء. أما كونه هدى فإنه فإنه أذا أمكنه الاهتداء فقد حصل الهدى، وذلك شفاء لهم من مرض الكفر والجهل، وأما من غرق في بحر الخِذْلان وشغف بمتابعة الشيطان فكأنَّ هذا القرآن عليهم عَمًى، كما قال: ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أولئك يُنادون من كان بعيدٍ بسبب ذلك الحجاب الحائل بينه وبين الانتفاع ببيان القرآن وكل من أنصف ولم يتعسف علم أن التفسير على هذا الوجه الذي ذكرناه أولى مما ذكروه؛ لأن السورة نتصير من
[ ١٧ / ١٥٠ ]
أولها إلى آخرها كلامًا واحدًا منتظمًا منسوقًا نحو غرض واحد.
قوله: ﴿والذين لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون مبتدأ و«في آذانِهِم» خبره و«وَقْرٌ» فاعل، أو «في آذَانِهِم» خبر مقدم و«وقر» مبتدأ مؤخر، فالجملة خبر الأول.
الثاني: أن «وقرًا» خبر مبتدأ مضمر، والجملة خبر الأول، والتقدير والذين لا يؤمنون هو وقر في آذانهم. لما أخبر عنه بأنه هدى لأولئك أخبر عنه أنه وقر في آذان هؤلاء وعمًى عليهم، قال معناه الزمخشري. ولا حاجة إلى الإضمار مع تمام الكلام بدونه.
الثالث: أن يكون «الذين لا يؤمنون» عطفًا على «الذين آمنوا» و«وَقْرٌ» عطف على «هُدى» . وهذا باب العطف على معمولي عاملين وفيه مذاهب تقدم تحريرها.
قوله: «عَمًى» العامة على فتح الميم المنونة، وهو مصدر لعَمِي يَعْمَى عَمًى، نحو: صَدِيَ يَصْدَى صَدًى وهَوِيَ يَهْوَى هَوًى. وقرأ ابن عباس، وابن عمر، وابن الزُّبير وجماعةٌ عم بسكرهنا منونة اسمًا منقوصًا، وصف بذلك مجازًا. وقرأ عمرو بن دينار، ورُبيت عن ابن عباس: «عَمِيَ» بكسر الميم وفتح الياء فعلًا ماضيًا. وفي الضمير وجهان:
أظهرهما: أنه القرآن.
والثاني: أنه للوقر، والمعنى يأباه و«في آذانهم» إن تجعله خبرًا تعلق بمحذوف على أنه حال منه لأنه صفة في الأصل، ولا يتعلق به لأنه مصدر، فلا يتقدم معموله عليه وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ كذلك في قراءة العامة وأما في القراءتين المتقدمتين فيتعلق «على» بما بعده إذ ليس بمصدر. قال أبو عبيد: والأولى هي الوجه، لقوله: ﴿هُدًى وَشِفَآءٌ﴾ وكذلك «عمى» وهو مصدر مثلهما ولو كان المذكور أنه هادٍ وشافٍ لكان الكسر في «عَمِيَ» أجود، فيكون نعتًا لهما.
فصل
قال قتادة: عَمُوا عن القرآن وصمُّوا عنه، فلا ينتفعون به. ﴿أولئك ينادون من مكان
[ ١٧ / ١٥١ ]
بعيد﴾ قال ابن عباس ﵄ يريد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء.
وقيل: من دعي من كان بعيد لم يسمع وإن سمع لم يفهم فكذا حال هؤلاء، وهذا مثل لقلّة انتفاعِهِمْ بما يُوعظُونَ بِهِ.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فاختلف فِيهِ﴾ وجه تعلقه بما قبله كأنه قيل: إنا لما آتينا موسى الكتاب فقبله بعضهم وردَّهُ آخرون فكذلك آتيناك هذا الكتاب، فقبله بعضهم وهم أصحابك، ورده آخرون وهم الذين يقولون: قلبونا في أكنة مما تدعوننا إليه. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني في تأخير العذاب عنهم ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهو يقوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني المصدق والمكذب بالعذاب الواقع أي لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ من صدقك وكتابك «مُرِيبٍ» موقع لهم الريبة، فلا ينبغي أن يعظم استيحاشك من قولهم: ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾ . ثم قال: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ يعنى خفف على نفسك إعراضهم فإنهم إن آمنوا فنفع إيمانهم يعود عليهم وإن كفروا فضرر كفرهم يعود عليهم فالله ﷾ يوصل إلى كل أحد ما يليق بعمله من الجزاء ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ .
قوله: «فلنفسه» يجوز أن يتعلق بفعل مقدر أي فلنفسه عملهُ، وأن كيون خبر مبتدأ مضمر أي فالعامل الصالحُ لنفسه. وقوله «فَعَلَيْهَا» مثله.
ثم قال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ والكلام على نظيره قد تقدم في سورة آل عمران عند قوله: ﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] .
قوله (تعالى): ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة﴾ لما هدد الكفار بقووله: ﴿من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها﴾ ومعناه أن جزاء كل أحد يصل إليه يوم القيامة، فكأن سائلًا قال: ومتى يكون ذلك اليوم؟ فقال تعالى: إنه لا سبيل للخلق إلى معرفة وقت ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله فقال: إليه يرد علم الساعة وهذه الكلمة تفيد الحصر، أي لا يعلم وقت الساعة بعينه إلا الله تعالى وكذلك العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين:
أحدهما: قوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا﴾ .
والثاني: قوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ .
[ ١٧ / ١٥٢ ]
قوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ﴾ ما هذه يجوز أن تكون نافية وهو الظاهر وأن تكون موصولة جوَّز ذلك أبو البقاء، ولم يبين وجهه، وبيانه أنها مجرورة المحمل عطف على الساعى أي (علم الساعة) وعلم التي تخرج، و«مِنْ ثَمَراتٍ» على هذا حال، أو تكون «مِن» للبيان، و«مِن» الثانية لابتداء الغاية. وأما الثانية فنافية فقط. قال أبو البقاء: لأنه عطف عليها «وَلاَ تَضَعُ» ثم نقض النفي بإلا ولو كانت مبعنى الذي معطوف على الساعة لم يَجُزْ ذلك.
وقرأ نافعٌ وابن عامر «ثَمَراتٍ» ويقويه أنها رُسِمَتْ بالتاء الممطوطة والباقون ثمرة بالإفراد، والمراد بها الجنس، فإن كانت «ما» نافية كانت «مِنْ» مزيدة في الفاعل، وإن كانت موصولة كانت للبيان كما تقدم. والأكمام جمع «كِمّ» بكسر الكاف؛ كذا ضبطه الزمخشري، وهو ما يغطي الثمرة كجُفِّ الطَّلع. وقال الراغب: الكُم ما يغطي اليد من القميس وما يغطي الثمرة وجمعه: أكمامٌ، وهذا يدل على أنه مضموم الكاف؛ إذ جعله مُشْتَرَكًا بين «كم» القميص، و«كم» الثمرة، ولا خلاف في «كُم» القميص بالضم فيجوز أن يكون في وعاء الثمرة لغتان، دون «كم» القميص جمعًا بين قوليهما. وأما أَكمَةٌ فواحدها «كِمامٌ» كأزمَّةٍ وزمامٍ.
قال أبو عبيدة: أكمامها أوعيتها وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمَّة. قال
[ ١٧ / ١٥٣ ]
ابن عباس (﵄): يعنى الكُفُرَّى قبل أن تنشقَّ. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ أي إليه يرد علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنِّتاج.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي﴾ أي بحسب زعمكم واعتقادكم. (و) ابن كثير ياء شُركائي. ﴿قالوا آذَنَّاكَ﴾ قال ابن عباس (﵄): أسمعناك، كقوله
﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢]، يعني سمعت. وقال الكلبي: أعلمناك، قال بان الخطيب: وهذا بعيد؛ لأن أهل القيامة يعملون أن الله تعالى يعلم الأشياء علمًا واجبًا، فالإعلام في حقه محال.
قوله: ﴿مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ هذه الجملة المنفية معلقة «لآذناك»؛ لأنهما يمعنى أعلمناكَ، قال:
٤٣٦٦ - آذَنَتْنَا ببَيْنها أَسْمَاءُ رُبَّ ثاوٍ يَمَلُّ مِنْهُ الثَّواءُ
وتقدم الخلاف في تعليق أعلم. و«مِنْ» للغاية. والصحيح وقوعه سماعًا من العرب. وجوَّز أبو حاتم أن يوقف على «آذنَّاكَ» وعلى «ظنوا» ويبتدأ بالنفي بعدهما على سبيل الاستئناف. و«مِنّا» خبر مقدم. و«مِنْ شَهِيدٍ» مبتدأ، ويجوز أن يكون «مِنْ شَهِيدٍ» فاعلًا بالجار قبله؛ لاعتماده على النفي.
فصل
في معنى الآية وجوه:
قيل: ليس أحد منا يشهد بأن لك شريكًا لما عاينوا العذاب تبرأوا من الأصنام.
[ ١٧ / ١٥٤ ]
وقيل: معناه ما منا أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم فلا يبصرونها في ساعة التوبيخ وقيل: هذا كلام الأصنام كأن الله يجيبها، ثم إنها تقول: «مَا مِنَّا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ» بصحة ما أضافه إلينا من الشركة، وعلى هذا التقدير فمعنى ضلالهم عنهم (أنهم لا ينفعونهم وهي معنى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم) مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ مِن قَبْلُ﴾ [فصلت: ٤٨] .
[ ١٧ / ١٥٥ ]