عند قول الله ﵎: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ﴾ (١٠: الفجر) قال الشيخ محمد عبده٢: "إن أظهر أقوال المفسرين فيها ملائمةً للحقيقة أنّ الأوتاد هي المباني العظيمة الثابتة.. وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإنها هي
_________________
(١) ١ انظر محاسن التأويل ج ١٧ ص ٦١٤٤، وتفسير الفجر بالصبح إذا تنفس قاله أبو السعود العمادي المتوفى سنة ٩٥١؟ في تفسيره إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ج ٥ ص ٢٦٠ طبعة صبيح. ٢ انظر تفسيره لسورة الفجر من جزء (عم يتساءلون) ط الشعب.
[ ١٩٢ ]
الأهرام، ومنظرها في عين الرائي في منظر الوتد المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة شكل الأوتاد المقلوبة.. وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون على أنها معهودة للمخاطبين".
هذا ما قاله الشيخ ﵀؛ فلننظر هل أصاب؟
١- وصف الله فرعون بهذه الصفة في سورة الفجر، وفي قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ﴾ (١٢: ص)، ووردت كلمة الأوتاد في وصف الجبال في قوله تعالى: ﴿أَلمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادا وَالجِبَال أَوْتَادًا﴾ (٧: النبأ)، وإذا كان هذا هو استعمال الكلمة في القرآن فما معناها في اللغة؟
٢- الوتد لغة١: "قطعة من خشب أو حديد تثبت في الأرض أو الجدار؛ يشد بها حبل هو زمام لدابة أو طنب لخيمة.. ويقال: الجبال أوتاد الأرض على التشبيه، لأنها تثبت بها وتحفظها من الميدان والاضطراب". وأما ابن فارس٢ فقال: "الواو والتاء والدال: كلمة واحدة: هي الوتد يقال وتده ووتد الأذن الذي باطنها كأنه وتد" وأضاف الفيروزأبادي٣ "وأوتاد الأرض جبالها، ومن البلاد رؤساؤها، ومن الفم أسنانه، ووتد الوتد يتده وتدا: ثبته"، وجاء من المجازي عند الزمخشري٤ "وتد بالمكان وهو واتد: لا يبرح ثابت".
٣- وأما أقوال المفسرين في معنى الأوتاد فهي٥:
أ - ذو الأوتاد: ذو البناء المحكم، كان كثير البنيان، والبنيان يسمى أوتادا.
ب - ذو الجنود الكثيرة، فسميت الجنود أوتادا، لأنهم يقوون أمره كما يقوي الوتد البيت، وقال ابن قتيبة: "العرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون دائما شديدا"، وقريب من هذا الرأي من فسرها بأنه ذو القوة والبطش، أو لأن كثرة الجنود تقتضي كثرة الخيام والمضارب والأوتاد.
_________________
(١) ١ انظر معجم ألفاظ القرآن الكريم إعداد مجمع اللغة العربية ص ٦٢١. ٢ انظر معجم المقاييس ج ٦ ص ٨٣، والوتد: بفتح التاء وكسرها. ٣ انظر القاموس المحيط ج ١ ص ٣٥٦. ٤ انظر أساس البلاغة ص ١٠٠٤. ٥ انظر في معاني الأوتاد تفسير القرطبي ج ١٥ ص ١٤٤، ١٤٥، ج ٢٠ ص ٤٨، والكشاف للزمخشري ج ٣ ص ٣٣٥، تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٥٠٨، تفسير البيضاوي ص ٥٦٨.
[ ١٩٣ ]
ج- إن المقصود بالأوتاد: أوتاد الحديد التي كان يشد إليها من يعذبهم، فقيل كان يربط الرجل كل قائمة من قوائمه في وتد، ثم يرسل عليه صخرة عظيمة.
١- تأول الشيخ محمد عبده للأوتاد بالأهرامات علاوة على مناقضته لما تقدم؛ فإنه يقتضي قيام دليل تاريخي، على أن فرعون الذي أرسل إليه الكليم ﵇ بنى هرما من هذه الأهرامات، أو دفن في واحد منها حتى تصح نسبتها إليه، وهذا الدليل التاريخي غير قائم ولا ثابت.
٢- يشم من وصف الشيخ للأهرامات بأنها هياكل عظيمة نزعة مفاخرة.. وهذه الأهرامات وإن كانت عظيمة بالمقياس المادي، فهي ليست كذلك في الميزان الإسلامي.
[ ١٩٤ ]