عند تفسير قول الله ﷾: ﴿سُبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ليْلًا..﴾ (١: لإسراء) استطرد الفخر الرازي مفندا١ لشبهات منكري المعراج، فاستدل على وقوع المعراج بأن من يؤمن بنزول جبريل ﵇ - من الملأ الأعلى - بالوحي، يجب عليه أن يؤمن بصعود الرسول صلوات الله عليه بجسمه وروحه ليلة المعراج؛ لأن معراج الرسول بجسده كنزول الملك وهو جسم.
ثم ذكر تأويل الفلاسفة - الذين يسميهم بالحكماء - لكيفية الوحي وهو: "زوال الحجب الجسمانية عن روح محمد ﷺ، حتى يظهر في روحه من المكاشفات والمشاهدات بعض ما كان حاضرا متجليا في ذات جبريل ﵇".
ثم عقب الرازي على هذا التهافت الفلسفي بقوله: "تفسير الوحي بهذا الوجه هو قول الحكماء، فأما جمهور المسلمين فهم مقرون بأن جبريل ﵊ جسم، وأن نزوله عبارة عن انتقاله من عالم الأفلاك إلى مكة"٢.
ونحن نعقب: بأن رأي الفلاسفة هذا، اتباع للظن ومصادم لما جاء به القرآن في شأن جبريل ﵇، فالله سبحانه قد وصفه بأنه ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى﴾ (٦، ٧: النجم)، فاستواؤه بالأفق الأعلى كما رآه رسول الله في بدء الوحي "سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض" فرآه على صورته الحقيقية٣ التي خلقه الله عليها، وهذا يؤكد الجسمانية والحركة لجبريل ﵇ ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٨، ٩: النجم)، فالدنو والتدلي والقرب هي حركات جسمانية من جبريل ﵇
_________________
(١) ١ تلخيص لما ذكره الفخر الرازي في تفسيره الكبير ج ٢٠ ص ١٤٨. ٢ في باب (كيف كان بدء الوحي) من صحيح البخاري ج ١ ص ٧ بحاشية السندي ط الحلبي، ورد قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض"، وفي تفسير سورة النجم في البخاري ج ٣ ص ١٣٨ وردت رواية ابن مسعود أن الرسول – ﷺ – (رأى جبريل له ستمائة جناح) . ٣ في باب (كيف كان بدء الوحي) من صحيح البخاري ج ١ ص ٧ بحاشية السندي ط الحلبي، ورد قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض"، وفي تفسير سورة النجم في البخاري ج ٣ ص ١٣٨ وردت رواية ابن مسعود أن الرسول – ﷺ – (رأى جبريل له ستمائة جناح) .
[ ١٨٩ ]
والقرآن صريح في نزول جبريل ﵇، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٦٤: مريم)، وقوله سبحانه: ﴿وَلقَدْ رَآهُ نَزْلةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى﴾ (١٣، ١٤: النجم) رأى رسول الله جبريل مرة ثانية على صورة الملائكة عند سدرة المنتهى.
ولقد رأى الرسول جبريل متشكلا في صورة بشرية لرجل من العرب هو دحية الكلبي، وفي حديث الصحيحين المروي عن أبي هريرة وعمر ﵄ قال عمر: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ذات مرة إذ دخل علينا رجل، شديد بياض الوجه، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر.." الخ الحديث، فهذه كلها صفات حسية.
وفي حديث بدء الوحي في الصحيحين ضم جبريل رسول الله ﷺ إلى صدره "..فأخذني فغطني١ - بالتاء أو بالطاء - حتى بلغ مني الجهد مبلغه ثم أرسلني.."٢.
كل هذا وغيره كثير يدحض دعاوى الفلاسفة في كيفية الوحي٣.
على أن تصوير الوحي على أنه مكاشفات ومشاهدات على النحو المذكور، قول على الله بغير علم، وغض من قيمة الوحي، وتشكيك في كيفية تلقي القرآن، خاصة إذا علم القارئ أن هذه الألفاظ (المكاشفة والمشاهدة) انتقلت عند المتصوفة والفلاسفة عن وضعها اللغوي إلى وضع اصطلاحي، وعندهم أن المكاشفة تقع بزعمهم للولي فهي دون الوحي.. وإن زعم بعضهم أن مقام الولاية أعلى من مقام النبوة والرسالة، وعبر عن هذا التلبيس بقوله:
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
[ ١٩٠ ]