وحامت في نفوسهم وساوس الريب حول قول الله جل ذكره: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلى وَادِ النَّمْلِ قَالتْ نَمْلةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُليْمَانُ
_________________
(١) ١ الشرب بكسر الشين: النصيب من الشراب. ٢ كانت الناقة آية من الله سبحانه، ومعجزة لصالح ﵇، والمعجزة أمر خارق للعادات لكن الفكر المتشيع للمادية لا يؤمن إلا بما عاينه ولامسه؛ لأن عيونهم كليلة، وفي القلوب أمراضها. ٣ انظر مفاتح الغيب للفخر الرازي ح ٢٤ ص ١٩٠- ١٩١ ط دار المصحف.
[ ١٦٧ ]
وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٨: النمل)؛ إذ كيف تتكلم نملة؟ وكيف يبتسم سليمان ﵇ ضاحكا من قولها؟ فعمدوا إلى أوهام التأويل يفهمون النص الكريم من خلالها؛ فقالوا: إن النمل ليس هو الحشرة التي نعرفها، وإنما هم قوم ضعاف.
وجاء مؤول١ آخر في القرن العشرين فقال: (إن المراد بوادي النمل: الوادي الكثير الناس، كأنهم النمل في كثرتهم) .
وقد رد عليه الشيخ النجار٢ بقوله: "وليس ما قاله بشيء؛ لأنه ينافيه قولها: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ إذ كيف لا يشعر جند سليمان بالناس وخاصة إذا كانوا كثيرين كالنمل".
ونضيف نحن إلى قول الشيخ النجار فلنسلم بوجود مكان من الأرض اسمه وادي النمل؛ فهذا احتمال عقلي، ولكن ماذا نفعل في قوله تعالى: ﴿قَالتْ نَمْلةٌ﴾ وقولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ﴾؟ فهل يمكن لغة أن يكون الناس هم النمل؟ وماذا يقول المؤول في قوله: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾؟ والضمير عائد عليها.
وقد عقد الأديب العربي المعتزلي أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ فصلا في كتابه (الحيوان) ٣ عن النمل ذكر فيه من طبائع هذه الحشرة ما يدل على أنها آية من آيات الله، فكان مما قال:
وقد يبلغ من تفقدها وحسن خبرها، والنظر في عواقب أمورها، أنها تخاف على ما ادخرته من الحبوب في الصيف للشتاء أن تعفن أو تسوس؛ فتخرجها إلى ظهر الأرض لتيبسها، وتعيد إليها جفافها وليضربها النسيم وينفي عنها الفساد، وإن خافت أن تنبت، نقرت موضع القطمير من وسط الحبة، وتعلم أنها من ذلك الموضع تنبت.. وتفلق حب الكسبرة أرباعا لأن أنصافه تنبت.
ثم تحدَّث عن ما لها من الهمة والجراءة على نقل شيء يزيد وزنه أو حجمه على حجمها مائة مرة، وتحدث عن التعاون في مجتمع النمل، وكيف تدل النملة صويحباتها على مكان الطعام فيتبعنها كالرائد الذي لا يكذب أهله.
ثم قال: ومن العجب أن تفكر أنها توحي إلى أختها بشيء.
والقرآن قد نطق بما هو أكثر من ذلك أضعافا.. فقد أخبر القرآن بأنها قد عرفت سليمان، وأثبتت عينه٤، وأنه ﵇ علم
_________________
(١) ١ صاحب هذا التأويل هو الأستاذ أحمد زكي صاحب الخزانة الزكية التي كانت تحوي الكثير من المخطوطات، وقد نشر هذا الرأي في جريدة الأهرام الصادرة في ١٦ أغسطس ١٩٣٣م. ٢ انظر قصص الأنبياء للشيخ عبد الوهاب النجار ص ٣٣٦ ط: ٣. ٣ انظر (الحيوان) للجاحظ ج٤ ص ٥- ٤ طبعة الكتاب العربي بيروت بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون. ٤ أثبتت عينه: أي عرفت ذاته.
[ ١٦٨ ]
منطقها، وأنها أمرت صويحباتها بما هو أحزم وأسلم، ثم أخبر أنها تعرف الجنود من غير الجنود، وقد قالت: ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، ثم بين أن كلام النمل قول ومنطق، وأنها تفصل بين المعاني التي هي بسبيلها.
إلى أن يقول: "وإن من دخلت عليه الشبه من هذا المكان لناقص الروية رديُّ الفكرة".
ونقل الجاحظ عن أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام المعتزلي قوله عن وادي النمل: كان ذلك الوادي معروفا (بوادي النمل)؛ فكأنه كان حمى، وكيف تنكر أن يكون حمى، والنمل ربما أجلت قرية١ من سكانها.
وهذا الذي ذكره الجاحظ نقلا عن (النظام) ٢ ليس خيالا ولا تاريخا يتسرب الشك إلى رواياته، وإنما هو واقع رآه بعضنا وسمع به قوم آخرون، فالصحف في مصر وغير مصر تنشر بين حين وآخر أخبار غزوات النمل البيض، وكيف تهلك غزواته الحرث والفرش.
والقرآن الكريم لم يذكر لنا حجم النملة المتكلمة ولا نوعها، وإنما نؤمن بأنها نملة من نوع النمل.
وبعد أن ذكرنا ما قاله أحد العلماء المسلمين عن النمل ننقل ما كتبه أحد علماء التاريخ الطبيعي من الغربيين وهو (رويال ديكنسون) في كتابه (شخصية الحشرات) إذ قال٣: "ولقد ظللت أدرس مدينة النمل حوالي عشرين عاما، في بقاع مختلفة من العالم؛ فوجدت أن كل شيء يحدث في هذه المدينة في دقة بالغة، وتعاون عجيب، ونظام لا يمكن أن نراه في مدن البشر، لقد راقبته وهو يرعى أبقاره، وما هذه الأبقار إلا خنافس صغيرة رباها النمل في جوف الأرض حتى فقدت في الظلام بصرها.
لقد زرع النمل ١٥ مترا مربعا من الأرض بالأرز) .
ثم ذكر الكاتب أنه وجد جماعة من النمل تقوم بحرثها على أحسن ما يقضي به علم الزراعة، فبعضها زرع بالأرز، وجماعة أزالت الأعشاب، وغيرها قامت لحراسة الزراعة من الديدان.
ولما بلغت عيدان الأرز نموها، وكان يرى صفا من الشغالة تتسلق العيدان وتنزع الحب، وتعود به إلى مخازن تحت الأرض..
وبعد الحصاد هطل المطر أياما، وما أن انقطع حتى قام النمل بإخراج الأرز من المخازن، وتعريضه للشمس؛ ليجف ثم عادوا به من جديد.
_________________
(١) ١ النقل عن كتاب (الحيوان) كما سبقت الإشارة بإيجاز وتصرف، وقد أجاد وأفاد.. وله في غير هذا كبوات.. والحق هو الميزان. ٢ خالف الجاحظ (النظام) في مسائل، وضلله فيها، وليس هنا مجال تفصيلها. ٣ نقلا عن كتاب (الله والعلم الحديث) ص ١٠٠ ط: ٣ لعبد الرزاق نوفل.
[ ١٦٩ ]
وكل هذا يدل على أن النمل عالم عجيب غريب، وهو من بعض آيات الله في خلقه.
وإنما أطلنا القول في هذه المسألة لنبين لأصحاب التأويلات الجانحة أنهم ليسوا على شيء مما يدعون؛ فلا العلم بمؤيد لهم - وإن زعموا أنهم فيه متبحرون - ولا ظهير من الرشاد.
[ ١٧٠ ]