قال٢ المطهر المقدسي وهو يؤرخ لظهور هذه التأويلات: "وأنكر قوم العجائب رأسا، وصرفها إلى تأويل منحول".
ومن هذه التأويلات ما يلي:
أولا: تأويلات حول عمر سيدنا نوح وسفينته:
هال الماديين القدامى - الذين يسمون أنفسهم بالعقليين - خبر القرآن عن عمر سيدنا نوح ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَلقَدْ أَرْسَلنَا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلبِثَ فِيهِمْ أَلفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٤) .
_________________
(١) ١ انظر كتاب البدء والتاريخ ج ٣ ص ١١٠ يقع في ستة أجزاء، ويحوي الكثير من أخبار الفرق وتاريخ الحياة العقلية في الإسلام، وقد انتفع به الدكتور أحمد أمين في كتابه (ظهر الإسلام) / وكان عمدة المستشرق آدم متز في كتابه (الحضارة الإسلامية)، وينسب بعض الباحثين هذا الكتاب إلى أبي زيد البلخي، لكن المحققون ينسبونه إلى المطهر بن طاهر المقدسي. ٢ انظر البدء ج ٣ ص ١٧.
[ ١٦٥ ]
فاستبعدوا أن يعيش واحد من خلق الله هذه السنين وأن يعمر قرونا، فتأولوا١ ذلك بأن لبثه ليس مدة حياته، وإنما هذا العمر هو عمر شريعته ومدة بقائها، وقالوا٢ عن السفينة إنها ليست فُلكا وإنما هي (رمز للدين الذي جاء به) .
ولو أنهم قالوا إن هذه السفينة كانت مركب النجاة للمؤمنين، لصدقوا، ولكن هذا التأويل السابق إهدار للغة، ومسخ لدلالات الألفاظ، وتكذيب لآيات أخرى من القرآن، ورد فيها النص الصريح عن هذه السفينة كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلنَاهُ عَلى ذَاتِ أَلوَاحٍ وَدُسُر، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ (١٣- ١٤، القمر)، ففي هذا النص الكريم ذكر الله المواد التي صنعت منها السفينة، كما ذكر سبحانه أمره العلوي لنوح ﵇ بصناعتها في قوله: ﴿وَاصْنَعِ الفُلكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الذِينَ ظَلمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ، وَيَصْنَعُ الفُلكَ وَكُلمَا مَرَّ عَليْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَال إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (٣٧، ٣٨: هود) .
وهكذا ترى أن المؤول إن ركب متن الشطط في تأويل آية، أحاطت به آيات أخر، فلا يستطيع لها صرفا ولا تأويلا.
[ ١٦٦ ]