حول قول الله ﵎: ﴿وَالفَجْرِ وَليَالٍ عَشْرٍ﴾ (١، ٢: الفجر)، أورد المفسرون أقوالا حول معنى الفجر.
وكان من أغرب هذه الآراء رأي أورده الفخر
_________________
(١) ١ لم نجد في عدد من المعاجم ما يسد النهمة في معنى هذه الكلمة، حتى انتهينا إلى الزمخشري في كتابه الفائق في غريب الحديث والأثر ج ٢ ص ٢٠٧ ط الحلبي فوجدناه يقول: الغت، والغط، والغطس، واحد هو المقل (أي الغمس) في الماء، ولما كان من شأن من يغط صاحبه في الماء أن يدارك (يتابع) ذلك، وأن يضغط صاحبه، ويبلغ منه الجهد..جاء في الحديث (..فغتني..) والمعنى: فغتني: ضغطني) ا؟ بتصرف. ٢ انظر صحيح البخاري ج ١ ص ٣ ط الشعب، ورواية البخاري: (غطني) بالطاء، وقال ابن فارس في المقاييس ج ٤ ص ٣٧٩: الغين والتاء ليس بشيء، إنما هو إبدال تاء من طاء تقول: غططته وغتته. ٣ فصلنا القول في كيفية الوحي في بحث عنوانه (القرآن الكريم من قضايا الوحي والتنزيل) .
[ ١٩٠ ]
الرازي في تفسيره١ وهو: "..أو عنى بالفجر العيون التي تنفجر منها المياه وفيها حياة الخلق"، وقد ذكر الرازي هذا التأويل بين جملة أقوال أخرى في تفسير الآية.
وهذا التأويل يجد له عونا وظهيرا من بعض المعاني اللغوية للكلمة، فابن فارس في معجم المقاييس٢ يقول: "الفاء والجيم والراء: أصل واحد وهو التفتح في الشيء، من ذلك الفجر: انفجار الظلمة من الصبح، ومنه انفجر الماء انفجارا: تفتح، والفجرة موضع تفتح الماء، ثم كثر هذا حتى صار الانبعاث والتفتح في المعاصي فجورا، ثم كثر هذا حتى سمي كل مائل عن الحق فاجرا.. ومن الباب: المفاجر: لانفجار الماء فيها.. ويوم الفجار: يوم للعرب استحلت فيه الحرمة" ا؟..
وإلى معنى الشق والتفجر أشار الراغب بقوله٣: (ومنه تفجير الأرض عيونا وأنهارا، ومنه قيل للصبح فجرا لكونه فجر الليل، والفجور شق في ستر الديانة) .
ومع ما ذكرناه من معاضدة بعض معاني الكلمة لما ذكره الرازي، فهل يعني هذا أن ذلكم التأويل لا يجافي الصواب؟.
الحق أن المراجع التي رجعنا إليها من كتب التفسير ذكرت للفجر معاني هي:
١- الفجر هو "أول أوقات النهار، الذي هو أحد قسمي الزمان"٤، وقريب منه تعريف من عرفه بأنه: انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، فيكون المقصود مطلق الفجر، وقد نسب هذا الرأي إلى علي، وابن الزبير وابن عباس رضي الله عنهم٥.
٢- إن المقصود بالفجر النهار كله، وعبر عنه بالفجر لأنه أوله وعزي كذلك إلى ابن عباس.
٣- فجر أول يوم من المحرم، منه تنفجر السنة، ونسب أيضا إلى ابن عباس وقتادة.
٤- إن المقصود به صلاة الصبح.
_________________
(١) ١ انظر تفسيره الكبير مفاتح الغيب سورة الفجر ج ٨ المطبعة البولاقية أو ج ٣٢ ط: عبد الرحمن محمد. ٢ انظر معجم المقاييس ج ٤ ص ٤٧٥، ٤٧٦ بتصرف، وقريب منه ما ورد في معجم ألفاظ القرآن الكريم للأستاذ أمين الخولي ج ٤ ص ٣١٩. ٣ انظر مادة فجر في مفردات الراغب الأصفهاني ص ٣٧٣ ط الحلبي بإيجاز وتصرف. ٤ أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي ق ٤ ص ١٩١٣. ويقصد بقسمي الزمان الليل والنهار. ٥ انظر القرطبي ج ٢٠ ص ٣٨، وانظر كذلك الفتوحات الإلهية في تفسير الجلالين للجمل ج ٤ ص ٥٢٨.
[ ١٩١ ]
١- فجر يوم النحر.
٢- فجر الأول من ذي الحجة؛ لأن (الليالي العشر) هي الليالي العشر من ذي الحجة.
هذه مجموع الآراء التي أحصيناها من كتب التفسير التي رجعنا إليها.
ولم نجد شبيها - في الطرافة - بهذا التأويل الغريب الذي ذكره الرازي إلا إشارة ذكرها القاسمي١ في كتابه محاسن التأويل، وهي: "والفجر أي الصبح كقوله تعالى ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (١٨: التكوير)؛ أقسم تعالى بآيته، لما يحصل به انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس وسائر الحيوانات، لطلب الأرزاق، وذلك مشاكل لنشور الموتى من قبورهم، وفيه عبرة لمن تأمل" ا؟.
وهذه الإشارة من القاسمي قد تكون محتملة.
ونعود إلى ذكر الرأي الذي نرجحه وهو أن المقصود بالفجر أول وقت النهار.
والذي يبين أن هذا الرأي هو الأرشد في فهم الآية الدلائل الآتية:
١- إن قرينة السياق تعين عليه، فبعد ذكر الفجر، جاء ذكر الليالي العشر.
٢- إن كلمة الفجر لم تستعمل في القرآن إلا في معنى أول ضوء النهار، كما قال تعالى: ﴿.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ (١٨٧: البقرة)، ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٧٨: الإسراء)، ﴿.. مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ (٥٨: النور)، ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلعِ الفَجْرِ﴾ (٥: القدر) .
٣- إن أقوال المفسرين قد أجمعت على أن المقصود بالفجر هو أول وقت النهار، وإن اختلفوا في جعل الفجر على إطلاقه، أو تحديد فجر يوم بعينه؛ فإن هذا الاختلاف هو من قبيل اختلاف التنوع.
[ ١٩٢ ]