٦- نسيج الخيال حول المائدة:
لم يقف خيال الروائيين عند محتويات المائدة كما سبق أن أسلفنا، بل امتد ليصور أن واحدا من الحواريين وهو (شمعون) سأل المسيح ﵇ عن طعامها أهو من طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟ وأن المسيح ﵇ أجاب: بأنه ليس منهما، وإنما اخترعه الله ﷾ بقدرته.
ونحن لا نحاكم هذه الرواية إلى العقل لو صحت، وإنما نحاكمها لأنها هجمة على الغيب بالخيال والهوى.
وتصور رواية ثانية: أن الحواريين سألوا المسيح ﵇ أن يحدث لهم من آية المائدة آية أخرى، فنادى سمكة أن تحيا بإذن الله تعالى فاضطربت، ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية.
وتصور رواية ثالثة: أن المائدة كانت تطير وترتفع، ثم تهبط إليهم، وهكذا استمر أمرها أربعين يوما.
وتصور رواية رابعة: أنه لم يأكل منها فقير إلا ولازمه الغنى طيلة حياته، ولم يطعم منها مريض إلا فارقه المرض، وظل مهاجرا له مادام حيا.
وهكذا سطرت الروايات، واختُلِقَت الأساطير، ومن عجب أن ننقل ما سبق من الروايات عن تفسير الزمخشري١ والبيضاوي، وهما من كتب التفسير بالرأي لا بالرواية، ولو جاءنا النقل الصحيح بهذه الأخبار ما ترددنا في قبولها لحظة نهار.
[ ١٨٥ ]
وذهب القشيري يحمل آيات سورة المائدة أفكاره الصوفية؛ فقال١: "طلب المائدة المسيح ﵇ لتسكن قلوبهم بما يشاهدونه من عظيم الآية وعجيب المعجزة؛ فعذروا وأجيبوا إليها، إذ كان مرادهم حصول اليقين وزيادة البصيرة.
ويقال كل يطلب سؤله على حسب ضرورته وحالته، فمنهم من كان سكونه في مائدة من الطعام يجدها، ومنهم من يكون سكونه في مائدة من الموارد يردها، وعزيز منهم من يجد الفناء٢ عن برهان يتأمله، أو بيان دليل يطلبه.
وشتان بين أمة طلب لهم نبيهم سكونا بإنزال مائدة عليهم، وبين أمة بدأهم الله سبحانه بإنزال السكينة عليهم، من غير سؤال أحد قال الله تعالى: ﴿هُوَ الذِي أَنْزَل السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ (٤: الفتح)، وفرق بين مَن زيادة إيمانه بآياته التي تتلى عليهم، وبين مَن يكون سكونهم إلى كرامات وعطايا تباح لهم.
فلما انتهى القشيري إلى قوله جل ذكره: ﴿قَال اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَليْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالمِينَ﴾ (١١٥: المائدة): أجابه إلى سؤاله٣ لهم، ولكن توعدهم بأليم العقاب لو خالفوا بعده، ليعلم السالكون أن المراد إذا حصل، وأن الكرامة إذا تحققت، فالخطر أشد، والحال من الآفة أقرب، وكلما كانت الرتبة أعلى، كانت الآفة أخفى، ومحن الأكابر إذا حلت جلت"٤ ا؟.
[ ١٨٦ ]