قال الحق جل ذكره في وصف جهنم: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (١٢: الفرقان) .
وكانت اتجاهات المفسرين في فهم الآية كما يلي:
١- حمل الرؤية على حقيقتها، وكذلك التغيّظ والزفير، وليس هناك ما يمنع من أن يجعل الله لها حسا وإدراكا، وقد وصف القرطبي ١ الحمل على الظاهر بأنه هو الأصح، مستدلا بما روي مرفوعا أن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا"، قيل يا رسول الله وهل لها عينان؟ قال: "أما سمعتم الله ﷿ يقول": ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (١٢: الفرقان)، "يخرج عنق من النار له عينان تبصران، ولسان ناطق، فيقال وكلت بكل من جعل مع الله إلها آخر، فلهو - أي العنق - أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه"٢.
_________________
(١) ١ انظر الجامع لأحكام القرآن ج ١٣ ص ٧، ٨. ٢ قال القرطبي عن سند هذا الحديث: ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه.. وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة.. وقال هذا حديث حسن غريب صحيح، وانظر القرطبي ج ١٣ ص ٨، والسمسم: بالكسر هو الجلجلان.
[ ٢٠٩ ]
وقيل: ترى النار أصحابها من مسيرة مئة عام١، وقيل: خمسمئة عام٢، وهذا هو معنى ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ عند بعض المفسرين، وهذه الروايات غير مرفوعة إلى المعصوم ﷺ، فهي ليست إلا من باب الحشو والتزيد.
١- فسرت الرؤية بمعنى: إذا رآهم خزنتها، سمع المعذبون تغيظا وزفيرا، وهذا من الآراء المذكورة في تفسير الآية٣، وجوزه الزمخشري بقوله٤: "ويجوز أن يراد: إذا رأتهم زبانيتها نغيظوا وزفروا غضبا على الكفار، وشهوة للانتقام منهم" ا؟.
٢- حمل الرؤية على المجاز بمعنى: إذا ظهرت لهم فكانت بمرأى الناظر٥ أو بعبارة الزمخشري٦: "..رأتهم.. من قولهم: "دورهم تتراءى وتتناظر، ومن قوله ﷺ: "لا تتراءى نارهما"٧، كأن بعضها يرى بعضا على سبيل المجاز، والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر" ا؟.
[ ٢١٠ ]