حاول الشيخ طنطاوي جوهر- جريا على مسلكه في التأويلات، واتباعا لنهجه في تحميل ألفاظ الآيات النظريات المحدثات- عقد الصلة بين خروج الدابة وبين خرافة ظهور الأرواح، فقال١: "يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَليْهِمْ﴾ أي شارف الوقوع، وهو قرب قيام الساعة، وحقت كلمة العذاب على نوع الإنسان، فجهلوا بالمعنويات، وعكفوا على الماديات، وكذبوا الديانات، وشكوا في الآيات، وأصبحوا لا شرف لهم في حكوماتهم ولا أفرادهم، ومردوا على الكذب والنفاق، وازدادوا بالعلم عمى، وبالفلسفة ظلما، أخرج لهم من الأرض من يطرق الموائد ويحركها، ويمسك الأقلام في أيديهم، ويكتب لهم، ويتراءى لهم في أشكال وأزياء مختلفة، ووجوه نورية، فتراه أبصارهم، ويسمعون كلامه، وطورا يبصرون أشكالا، وتارة يقرؤون خطوطا، وآونة يسمعون صريرا وصوتا شديدا، كالرعد القاصف، وقد يحسون ببرودة تمر عليهم، ثم تتحرك الأيدي بالكتابة٢، فكان في عمله
_________________
(١) ١ انظر (الجواهر في تفسير القرآن الكريم المشتمل على عجائب بدائع المكونات وغرائب الآيات الباهرات) للشيخ طنطاوي جوهري ج ١٣ ص ٢٥١، ٢٥٢ ط: ٣ ٢ كان الشيخ طنطاوي متعدد المعارف، متطلعا للجديد، وقد خدعته (الروحية الحديثة) الوافدة من الغرب، فكان ممن يشهدون جلساتها كما قرأنا عنه، والعبارات المذكورة تصف ما يخادع به دعاة الروحية من يشهدون جلساتهم، وهي مزاعم قريبة مما كانت تدعيه بعض الجمعيات الروحية، وهي دعاوى ليست من الحقيقة في شيء ونقول بذلك عن خبرة ومدارسة، لا عن تقليد ومشايعة.
[ ١٩٤ ]
أشبه بمن يدب على الأرض من الإنسان في تعقله وعمله، وبما يجري فوقها من الدواب في حركاتها وأعمالها الأخرى، فهذا يشير له معنى قوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ﴾، وهذه الدابة تبين للناس حقائق، وتدرس لهم حكمة وتريهم أنهم غافلون جاهلون ضالون، فيجلس أمامها أكبر الضالين، وأعظم الفاسقين وأشد الغافلين، ومن يدعي أنه ملك مقاليد العلم، وبرع في الحكمة الهادية، فيخر ساجدا لربه، خاضعا لخالقه، موقنا أن روحه ستبقى بعد موته، فهذا معنى تكلمهم.. الخ، وقرأ ابن مسعود: (تكلمهم بأن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)، وهذا هو الحاصل الآن بعينه، وهذه معجزة القرآن، وحكمة ثابتة للفرقان، فإن الآلاف المؤلفة من البشر اليوم في أنحاء العالم يوقنون إذا تحققوا مذهب الأرواح، وليس الإيمان بكاف، بل اليقين هو أكمل الإيمان، فتعجب من الآية، وانظر كيف كان هذا مظهرها، وهي مسألة ظهور الأرواح والقرآن يشير إليها.." ا؟
ولما أحسّ الشيخ أنه أبعد النجعة عن الحقيقة، وسلك التعسف سبيلا إلى فهم الآية، عاد يقول: "إني لم أقل إن هذا هو المعنى، ولكن أقول: إنه رمز له١ وإشارة، فالآية باقية على ظاهر معناها ترمز إلى ما ذكرنا، فالدابة باقية على المعنى الأصلي، نكل علمها إلى الله تعالى٢، وتكون رمزا لهذا، فهذا قسم من أقسام الكناية في علم البيان٣، فاللفظ على حاله يشير لما اقترب منه كما وضحه الإمام الغزالي في قوله ﷺ: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة"؛ فقد جعلهما على حالهما، ورمز بهما إلى الشهوة والغضب٤، فافهم فإذا فهمت هذا قطعت جهيزة قول كل خطيب، وقطع لسان كل معترض بعدك، فقد سدت في وجهه أبواب الجدال ﴿وَكَفَى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتَال﴾ "ا؟.
[ ١٩٥ ]