وقيل إن المقصود بطمس الوجوه ما ذكره الزمخشري بقوله١: "ووجه آخر وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة، وبالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم، أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم، ونكسوهم صغارهم وإدبارهم".
مختار القول: وبعد استعراض الآراء في تفسير الآية استعراضا وافيا، وإن لم نبلغ به حد الاستقصاء، نرى أن أولى الآراء هو حمل الوجه على حقيقته، وأن الطمس على أصل معناه من المحو والإزالة والإخفاء.
وهذا الترجيح هو الذي ارتضاه الطبري حين قال٢: "وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهود الذين وصف صفتهم بقوله: ﴿أَلمْ تَرَ إِلى الذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالةَ..﴾ (٤٤: النساء)، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلى أَدْبَارِهَا﴾ الآية.. بأسه٣ وسطوته وتعجيل عقابه لهم، إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به، ولاشك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارا" ا؟.
وآثر القاسمي حمل الآية على الحقيقة فقال٤: "ولا يخفى أن جميع ما ذكر من التأويلات غير الأول، لا يساعده مقام تشديد الوعيد، وتعميم التهديد، فإن المتبادر من اللفظ الحقيقة، ولا يصار إلى المجاز إلا إذا تعذر إرادتها، ورد على القائلين بأن قرينة المجاز هي عدم وقوع المتوعد به، بأنه ليس في الآية ما يدل على تحتم وقوع الوعيد إن لم يؤمنوا، ولو فهم
_________________
(١) ١ انظر الكشاف ج ١ ص ٤٠١. ٢ الطبري ج ٨ ص ٤٤٣. ٣ منصوبة بحذرهم في جملة (ثم حذرهم جل ثناؤه) . ٤ انظر محاسن التأويل ج ٥ ص ١٢٨٤- ١٢٨٦ بإيجاز.
[ ١٧٩ ]
منها هذا فهما أوليا، لكان إيمانهم بعدها إيمان إلجاء واضطرار، وهو ينافي التكليف الشرعي، وذهب إلى أن هذه الآية هي كقوله تعالى: ﴿وَلوْ نَشَاءُ لطَمَسْنَا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ، وَلوْ نَشَاءُ لمَسَخْنَاهُمْ عَلى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٣٦: يس) .
ثم قال القاسمي: "فهذه عندي تفسير لتلك، والقرآن يفسر بعضه بعضا، وحول تعقيب الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولًا﴾ أي ما يأمر به، ويريد وقوعه، وإذا كان الوعيد منوطا بأمره سبحانه، فله أن يمضيه على حقيقته، وله أن يصرفه لما هو أعلم به، إلا أن ورود نظم الآية بهذا الخطاب المتبادر في الوقوع غير المعلق، ليكون أدخل في الترهيب، ومزجرة عن مخالفة الأمر.. هكذا ظهر لنا الآن، وهو أقرب مما نحاه المفسرون هنا من أن العقاب منتظر، أو أنه مشروط بعدم الإيمان إلى غير ذلك" ا؟.
[ ١٨٠ ]