وأما (الفخر الرازي) فهو وإن لم ينتصر لرأي مجاهد ويجنح إليه، إلا أنه لم يجد في قبوله غضاضة، ويجدر بنا أن نلم برأيه لما له من منهج خاص.
فقد قال٤: "..قوله ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ليس بأمر لهم؛ لأنهم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة، بل المراد سرعة التكوين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُول لهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠: النحل)، وكقوله: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١١: فصلت)، والمعنى أنه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء، بل قال لهم،: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾، أي لما أراد ذلك بهم صاروا كما أراد.
_________________
(١) ١ انظر كتاب الحيوان لأبي عثمان بن بحر الجاحظ ج ٤ ص ٥٠، وكتاب الحيوان موسوعة كبرى نشرها الأستاذ عبد السلام محمد هارون محققة في سبعة أجزاء كبيرة ط الحلبي القاهرة. ٢ انظر الصفحات ٥١، ٥٦، ٦٠، ٦١، من الجزء الرابع من الحيوان، والنقل ببعض تصرف. ٣ انظر الحيوان ج ٤ ص ٧٠. ٤ انظر التفسير الكبير (مفاتح الغيب) للفخر الرازي ج ٣ ص ١١٠ وما بعدها ط دار الكتب العلمية طهران.
[ ١٧٢ ]
والمروي عن مجاهد: أنه تعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم، لا أنه مسخ صورهم، وهو مثل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ (٥: الجمعة)، ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد لا ينجح فيه تعليمه: كن حمارا، واحتج على امتناعه (أي المسخ) بأمرين:
الأول: أن الإنسان هو هذا الهيكل المشاهد، والبنية المحسوسة؛ فإذا أبطلها، وخلق في تلك الأجسام تركيب القرد وشكله، كان ذلك إعداما للإنسان، وإيجادا للقرد؛ فيرجع حاصل المسخ على هذا القول إلى أنه تعالى أعدم الأعراض التي باعتبارها كانت تلك الأجسام إنسانا، وخلق فيها الأعراض التي باعتبارها كانت قردا١؛ فهذا يكون إعداما وإيجادا، لا أنه يكون مسخا.
ثم قال الرازي: وأجيب٢ بأن الإنسان ليس هو تمام هذا الهيكل، وذلك لأن هذا الإنسان قد يصير سمينا بعد أن كان هزيلا وبالعكس بالمسخ، ثم أثار إشكالات عليه ثم نقضها، ثم لم يجد محظورا البتة من الصيرورة إلى التأويل وقبول رأي مجاهد.
ويقول كاتبه: فأما عن الإشكال الأول فإن المسخ لغة هو٣: "تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها"، وهذا التبديل أو التحويل لا دليل على استحالته من نقل أو عقل أو علم.
فأما النقل فدلالته بينة - كما سنوضح بإذن الله -.
وأما العقل والعلم فإن دراسة آيات الله في الأنفس والآفاق - بتعميق واستيعاب - تقرب إلى أذهاننا القاصرة وعلمنا المحدود هذا الذي يراه البعض بعيدا، وخاصة بعد تقدم علم الأحياء (البيولوجيا) في الكشف عن كثير من أسرار (الخلية) و(الغدد) و(الهرمونات)، وما قرأناه في الصحف منذ سنوات عما سمي (بالإنسان القرد)، وهو طفل نشأ في غابة بين القرود، فصار يطعم طعامهم ويسير على أربع، ونبت على جسمه شعر القردة.. وانقطعت صلته بالإنسانية.
وفصل القول:
أن المسألة عقاب "أراده الله ببني إسرائيل لعدوانهم وظلمهم، وشاءت إرادته أن يكون العقاب خرقا للعادات ومجريات السنن، ليكون عبرة ونكالا، وليكون آية على تفرده وحده بالقدرة والقهر والجبروت، فهل يعجزه سبحانه شيء في الأرض أو السماء؟ تعالى علوا كبيرا، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ (٤٤: فاطر) .
وكما قال الرازي نفسه:
_________________
(١) ١ هذا بالأصل ولو قال: (صارت قرودا) لكان هذا ما يدل عليه السياق، لكن لعله راعى المقابلة بين (إنسانا) و(قردا) . ٢ ذكرنا الرد عقب الإشكال مخالفين ترتيب الرازي لأن هذا - في نظرنا - هو الأولى. ٣ انظر المختار مادة مسخ ص ٦٢٤.
[ ١٧٣ ]
"فالأجزاء متبدلة.. وعلى جميع التقديرات فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغيير إلى هذا الهيكل، وهذا هو المسخ، وبهذا التقدير يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول ﵇"١.
ثم قال الرازي:
والإشكال الثاني: إن جوزنا ذلك - أي المسخ - لما أمِنّا في كل ما نراه قردا وكلبا، أنه كان إنسانا عاقلا، وذلك يفضي إلى الشك في المشاهدات.
والجواب: أن الأمان يحصل بإجماع الأمة.
ولما ثبت بما قررناه جواز المسخ، أمكن إجراء الآية على ظاهرها، ولم يكن بنا حاجة إلى التأويل الذي ذكره مجاهد ﵀، وإن كان ما ذكره غير مستبعد جدا؛ لأن الإنسان إذا أصر على جهالته - بعد ظهور الآيات وجلاء البينات - فقد يقال في العرف الظاهر إنه حمار وقرد، وإذا كان هذا المجاز من المجازات الظاهرة المشهورة لم يكن في المصير إليه محذور البتة" ا؟.
فأنت ترى أن الرازي - ﵀ - أجاز القولين، ثم عاد إلى إثارة شبهة أخرى هي (أنه بعد أن يصير (اليهودي المعتدي) قردا، لا يبقى له فهم ولا عقل ولا علم، فلا يعلم ما نزل به من العذاب، ومجرد القردية غير مؤلم، لأن القرود حال سلامتها غير متألمة، فمن أين يحصل العذاب بسببه؟!
وأجاب بقوله: "ولم لا يجوز أن يقال إن الأمر الذي بسببه يكون الإنسان عاقلا فاهما ظل باقيا، إلا أنه لما تغيرت الخلقة والصورة، لا جرم أنها كانت تعرف ما نالها من تغير الخلقة بسبب شؤم المعصبة، وكانت في نهاية الخوف والخجالة.. ولا يلزم من عدم تألم القرود الأصلية بتلك الصورة عدم تألم الإنسان بتلك الصورة الغريبة القردية" ا؟.
ونضيف إلى قول الفخر الرازي ﵀ قولنا: إن العقاب لا يتحقق ولا يتم المقصود منه إلا ببقاء الغرائز والمشاعر والأحاسيس التي بها يعاني هؤلاء الممسوخون آلام عذاب المسخ.
_________________
(١) ١ يشير الرازي إلى ما ورد في وصف جبريل ﵇ في حديث بدء الوحي في الصحيحين بأنه (ساد عظم خلقه ما بين السماء والأرض..) ومع ذلك فقد يدخل حجرة الرسول ﷺ حال الوحي.. لكن مع التبدل من حالة إلى حالة، والتشبيه مع الفارق. وانظر في تفصيل أحوال الوحي والملك بحثنا (القرآن الكريم من قضايا الوحي والتنزيل) ص ٤٩.
[ ١٧٤ ]