ثم إن أبا طالب خرج فى ركب تاجرا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير تعلق به رسول الله ﷺ، فرقّ له، وقال: والله لأخرجن به معى، ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا.
فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب- يقال له: بحيرى فى صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، فلما نزلوا ذلك
_________________
(١) لهب: قبيلة من أزد شنوءة.
[ ١ / ٢٩ ]
العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا بعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لها طعاما كثيرا، وذلك لشىء رآه وهو فى صومعته: رأى رسول الله ﷺ فى الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا فى ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتدلت أغصان تلك الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها.
فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته ثم أرسل إليهم فقال: إنى قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، عبدكم وحركم. فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم، فما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟
قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد احببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم.
فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم، لحداثة سنه، فى رحال القوم تحت الشجرة.
فلما نظر بحيرى فى القوم لم ير الصفة التى يعرف، فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامى. قالوا له: يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغى أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنّا، فقال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.
فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى، إن كان للوم بنا أن يتخلف ابن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم.
[ ١ / ٣٠ ]
فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى فقال له: يا غلام، أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتى عما أسألك عنه- وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما-
فقال رسول الله ﷺ: لا تسألنى باللات والعزى، فوالله ما أيغضت شيئا قط بغضهما.
فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه، فقال له: «سلنى عما بدا لك» فجعل يسأله عن أشياء من حاله فى نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته.
ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده، فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال:
ابنى. قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. قال: فإنه ابن أخى: قال: فما فعل أبوه؟ قال، مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرّا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم.
فأسرع به إلى بلاده.
فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة، حين فرغ من تجارته بالشام، وشب رسول الله ﷺ، والله تعالى بكاؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلا، وأفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا،
[ ١ / ٣١ ]
وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التى تدنّس الرجال تنزها وتكرّما، حتى كان اسمه فى قومه الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.
فلما بلغ رسول الله ﷺ أربع عشرة سنة، هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معهم من كنانة، وبين قيس عيلان، فشهد رسول الله ﷺ بعض أيامهم، أخرجه أعمامه معهم، فكان ينبل على أعمامه، أى يرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها.