ثم إن الله ﷿ أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه
[ ١ / ٤٤ ]
منه وأن يبادى الناس بأمره، وأن يدعوه إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه، ثلاث سنين من مبعثه، ثم قال الله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. وقال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وقال جل شأنه: وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلوا ذهبوا فى الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فى شعب من شعاب مكة، إذا ظهر عليهم نفر من المشركين، وهم يصلون، فنا كروهم وعابوا عليهم ما يصنعون، حتى قاتلوهم.
فضرب سعد بن أبى وقاص يومئذ رجلا من المشركين بعظم فشجه، فكان أول دم هريق فى الإسلام.
فلما بادى رسول الله ﷺ قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك ناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل.
وحدب على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب، ومنعه وقام دونه. ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله مظهرا لأمره، لا يرده عنه شىء.
فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم»
من شىء
_________________
(١) لا يعتبهم: لا يرضيهم.
[ ١ / ٤٥ ]
أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه، فلم يسلمه لهم، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبى طالب: عتبة، وشيبة- ابنا ربيعة بن عبد شمس- وأبو سفيان بن حرب ابن أمية، وأبو البخترى العاصى بن هشام بن الحارث بن أسد ابن عبد العزى، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى وأبو جهل عمرو ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة والعاص بن وائل بن هاشم، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آبائنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا، وردهم ردّا جميلا، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم اشتد الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتعادوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها، وحض بعضهم بعضا عليه.
ثم إنهم مشوا إلى أبى طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنّا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك فى ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه.
فعظم على أبى طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله ﷺ ولا خذلانه.
[ ١ / ٤٦ ]
ثم بعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يا بن أخى، إن قومك قد جاءونى فقالوا لى كذا وكذا، فأبق علىّ وعلى نفسك، ولا تحمّلنى من الأمر ما لا أطيق.
فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه رأى أنه خاذله، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال رسول الله ﷺ:
«يا عم، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته» . ثم استعبر رسول الله ﷺ فبكى، ثم قام.
فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخى. فأقبل رسول الله ﷺ. فقال: اذهب يا بن أخى فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشىء أبدا.
ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله ﷺ وإسلامه، وإجماعه لفراقهم فى ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد «١» فتى فى قريش وأجمله، فخذه واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذى قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل.
_________________
(١) أنهد: أشد وأقوى.
[ ١ / ٤٧ ]
فقال: والله لبئس ما تسوموننى. أتعطوننى ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابنى تقتلونه، هذا والله ما لا يكون أبدا.
فقال المطعم بن عدى بن نوفل: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك.
وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا.
فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفونى، ولكنك قد أجمعت خذلانى ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك.
فاشتد الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا.