ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من فى القبائل منهم من أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله ﷺ منهم بعمه أبى طالب.
وقد قام أبو طالب، حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون فى بنى هاشم وبنى المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه، من منع رسول الله ﷺ، والقيام دونه. فاجتمعوا إليه، وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبى لهب، عدو الله.
ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم،
[ ١ / ٤٨ ]
وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا.
قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس، فقل وأقم لنا رأيا نقول به.
قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول: كاهن قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بكلام الكاهن ولا سجعه. قالوا:
فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه. قالوا:
فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، فما هو بالشعر.
قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا:
ساحر جاء بقول هو سحر يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته.
فتفرقوا منه بذلك، فجعلوا يجلسون بطرق الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره.
وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ، فانتشر ذكره فى بلاد العرب كلها.
فلما انتشر أمر رسول الله ﷺ فى العرب ويلغ البلدان.
(م ٤- الموسوعة القرآنية- ج ١)
[ ١ / ٤٩ ]
ذكر بالمدينة، ولم يكن حى من العرب أعلم بأمر رسول الله ﷺ، حين ذكر وقبل أن يذكر، من هذا الحى من الأوس والخزرج، وذلك لما كانوا يسمعون من أحبار اليهود، وكانوا لهم حلفاء ومعهم فى بلادهم.