ثم إن قريشا اشتد أمرهم، للشقاء الذى أصابهم فى عداوة رسول الله ﷺ، ومن أسلم معه منهم، فأغروا برسول الله ﷺ سفهاءهم، فكذبوه وآذوه ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون، ورسول الله ﷺ مظهر لأمر الله لا يستخفى به مباد لهم بما يكرهون من عيب دينهم، واعتزال أوثانهم، وفراقه إياهم على كفرهم.
واجتمع أشرافهم يوما فى الحجر فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم.
فبينما هم فى ذلك، إذ طلع رسول الله ﷺ، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، فعرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف ثم قال: «أتسمعون يا معشر قريش. أما والذى نفسى بيده، لقد جئتكم بالذبح «١»» .
فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه
_________________
(١) بالذبح، يعنى: بالهلاك.
[ ١ / ٥٠ ]
وصاة «١» ليهدئه بأحسن ما يحمد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولا.
فانصرف رسول الله ﷺ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا فى الحجر، فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه.
فبينماهم فى ذلك طلع عليهم رسول الله ﷺ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، وأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا وكذا؟ - لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم- فيقول رسول الله ﷺ:
نعم، أنا الذى أقول ذلك.
فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه. فقام أبو بكر ﵁ دونه، وهو يبكى ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله؟ فانصرفوا عنه.