وحين أسلم حمزة، ورأت قريش أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، قال عتبة بن ربيعة، وكان سيدا، وهو جالس فى نادى قريش، ورسول الله ﷺ جالس فى المسجد وحده: يا معشر
[ ١ / ٥٢ ]
قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه.
فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا بن أخى، إنك منا حيث قد علمت من الشرف فى العشيرة، والمكان فى النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. فقال له رسول الله ﷺ: قل يا أبا الوليد، أسمع، قال: يابن أخى، إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا «١» تراه، لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع «٢» على الرجل حتى يداوى منه.
حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال:
أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع منى. قال: أفعل. فقال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ. ثم مضى رسول الله ﷺ
_________________
(١) الرئى: ما يتراءى للإنسان من الجن.
(٢) التابع: من يتبع من الجن.
[ ١ / ٥٣ ]
فيها يقرؤها عليه. فلما سمعها منه عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليها يسمع منه. ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها، فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه. فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذى ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائى أنى قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعونى واجعلوها بى، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذى سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا:
سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيى فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.