ثم إن قريشا عدوا على من أسلم يعذبون من استضعفوا منهم، فيفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذى يصيبه، ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله.
وكان بلال، لبعض بنى جمح، مولى من مواليهم، وكان صادق الإسلام، طاهر القلب، وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره فى بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى. فيقول بلال وهو فى ذلك البلاء: أحد، أحد.
حتى مر به أبو بكر الصديق ﵁ يوما، وهم يصنعون ذلك به وكانت دار أبى بكر فى بنى جمح، فقال لأمية بن خلف: ألا تتقى الله فى هذا المسكين! حتى متى؟ قال: أنت الذى أفسدته فأنقذه مما ترى. فقال أبو بكر:
أفعل، عندى غلام أسود أقوى منه. على دينك، أعطيكه به. قال: قد قبلت فقال: هو لك. فأعطاه أبو بكر عنه غلامه ذلك، وأخذه فأعتقه.
ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم. فقال أبوه أبو قحافة: يا بنى، إنى أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك! فقال أبو بكر: يا أبت، إنما أريد ما أريد لله.
[ ١ / ٥٩ ]
وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه- وكانوا أهل بيت الإسلام- إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة.
فيمر بهم رسول الله ﷺ، فيقول: صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.
فأما أمه فقتلوها، وهى تأبى إلا الإسلام.
وكان أبو جهل إذا سمع بالرجل قد أسلم، له شرف، أنبّه، وإن كان تاجرا قال: لتكسدن تجارتك، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به.