فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه.
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة، وفرارا إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة فى الإسلام.
فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا.
فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد آمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش إلى النجاشى، فيردهم عليهم ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم من ديارهم التى اطمأنوا بها وآمنوا فيها.
[ ١ / ٦٠ ]
فبعثوا عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص بن وائل، وجمعوا لهما هدايا للنجاشى، ولبطارقته، ثم بعثوا إليه فيهم وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما إلى النجاشى هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم.
فخرجا حتى قدما على النجاشى. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن بكلما النجاشى، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد لجأ إلى بلد الملك غلمان مناسفهاء، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم. فقالوا لهما: نعم.
ثم إنهما قدّما هدايا هما إلى النجاشى، فقبلها منهما، ثم كلماه وكلمه البطارقة، فغضب النجاشى وقال: لا أسلمهم أبدا حتى أدعوهم فأسألهم عما يقولون، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاورونى.
فأرسل النجاشى إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم فقال لهم: ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم؟
فقال له جعفر بن أبى طالب: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، فصدقناه وآمنا به، فعدا علينا قومنا فعذبونا ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك.
فقال لهما النجاشى: انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون.
[ ١ / ٦١ ]