ثم أسرى برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام بمكة فى قريش، وفى القبائل كلها.
وأتى رسول الله ﷺ بالبراق- وهى الدابة التى كانت تحمل عليها الأنبياء قبله- فحمل عليها، ثم خرج به صاحبه، يرى الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم الخليل وموسى وعيسى فى نفر من الأنبياء قد جمعوا له، فصلى معهم، ثم أتى بثلاثة آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء. فقال رسول الله ﷺ: فسمعت قائلا يقول حين عرضت على: إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته، وإن أخذ الخمر غوى وغوت أمته، وإن أخذ اللبن هدى وهديت أمته قال: فأخذت إناء اللبن، فشربت منه، قال لى جبريل ﵇: هديت وهديت أمتك يا محمد.
ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس هذا والله الأمر «١» البين! والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد فى ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟ فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب
_________________
(١) الأمر: العجب.
[ ١ / ٧٩ ]
الناس إلى أبى بكر، فقالوا له: هل لك يا أبا بكر فى صاحبك؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة. فقال لهم أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك، فو الله إنه ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبى الله، أحدثت هؤلاء القوم أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟
قال: نعم. قال: يا نبى الله، فصفه لى، فإنى قد جئته، فقال رسول الله ﷺ: فرفع لى حتى نظرت إليه، فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبى بكر، ويقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئا، قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله، حتى إذا انتهى، قال رسول الله ﷺ لأبى بكر: وأنت يا أبا بكر الصديق فيومئذ سماه الصديق.