ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تنال منه فى حياة عمه أبى طالب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه.
ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله ﷿، فخرج إليهم وحده.
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف، وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد باليل بن عمرو
[ ١ / ٨٠ ]
ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير، فجلس إليهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه. فقال له أحدهم: هو ينزع ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لا أنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغى لى أن أكلمك.
فقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنى.
وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه فيثيرهم ذلك عليه.
فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، وألجئوه إلى بستان لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل شجرة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقى من سفهاء أهل الطائف.
فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال: اللهم إليك أشكو ضعف قوّتى، وقلّة حيلتى، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟ إن لم يكن بك علىّ غضب فلا أبالى، ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بى غضبك، أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
فلما رآه ابنا ربيعة: عتبة وشيبة، وما لقى، تحركت له رحمهما «١»، فدعوا
_________________
(١) الرحم: الصلة والقرابة. (م ٦- الموسوعة القرآنية- ج ١) .
[ ١ / ٨١ ]
غلاما لهما نصرانيّا، يقال، له: عدّاس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه فى هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله ﷺ، ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس فى وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ: ومن أهل أى البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: نصرانى، وأنا رجل من أهل نينوى.
فقال رسول الله ﷺ: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى.
فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ: ذاك أخى، كان نبيّا وأنا نبى.
فأكب عدّاس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه. فلما جاءهما عداس قالا له:
ويلك يا عداس! مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قالا: يا سيدى، ما فى الأرض شىء خير من هذا، لقد أخبرنى بأمر ما يعلمه إلا نبى. قال له:
ويحك يا عداس! لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه.