ثم قدم رسول الله ﷺ مكة، وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافة وفراق دينه، إلا قليلا مستضعفين، ممن آمن به، فكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه فى المواسم، إذا كانت، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبى مرسل، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم الله ما بعثه به.
[ ١ / ٨٢ ]
ويحدث ابن عباس فيقول: إنى لغلام شاب مع أبى بمنى، ورسول الله ﷺ يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بنى فلان، إنى رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا بى، وتصدقوا بى وتمنعونى، حتى أبين عن الله ما بعثنى به.
قال: وخلفه رجل أحول وضىء، له غديرنان عليه حلة عدنية. فإذا فرغ رسول الله ﷺ من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بنى فلان، إن هذا يدعوكم أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه.
قال: فقلت لأبى: يا أبت، من هذا الذى يتبعه ويرد عليه ما يقول؟
قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب، أبو لهب.
وأتى رسول الله ﷺ بنى عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء. فقال له: أفنهدف «١» نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه.
فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كانت أدركته السن، حتى لا يقدر أن يوافى معهم المواسم، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه
_________________
(١) تهدف، بالبناء للمجهول: تصير هدفا.
[ ١ / ٨٣ ]
بما يكون فى ذلك الموسم، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان فى موسهم، فقالوا: جاءنا فتى من قريش، ثم أحد بنى عبد المطلب، يزعم أنه نبى، يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا: فقال: فوضع الشيخ يديه على رأسه ثم قال: يا بنى عامر، هل لهما من تلاف؟ والذى نفس فلان بيده، ما تقوّلها إسماعيلى «١» قط، وإنها لحق، فأين رأيكم كان عنكم؟
فكان رسول الله ﷺ على ذلك من أمره، كلما اجتمع له الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الإسلام، ويعرض عليهم نفسه، وما جاء به من الله من الهدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب، له اسم وشرف إلا تصدى له، فدعاه إلى الله، وعرض عليه ما عنده.