وقدم أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بنى عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج.
فسمع بهم رسول الله ﷺ، فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: هل لكم فى خير مما جئتم له؟ فقالوا له: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثنى إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأنزل على الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.
فقال إياس بن معاذ، وكان غلاما حدثا: أى قوم، هذا والله خير مما جئتم له. فأخذ أنس بن رافع حفنة
_________________
(١) إسماعيل: أى ما ادعى النبوة كاذبا أحد من بنى إسماعيل. []
[ ١ / ٨٤ ]
من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمرى لقد جئنا لغير هذا. فصمت إياس، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج.
فلما أراد الله ﷿ إظهار دينه وإعزاز نبيه ﷺ، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله ﷺ فى الموسم الذى لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب، كما كان يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة وجد رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا.
ولما لقيهم رسول الله ﷺ قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالى يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عزوجل، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
وكان مما صنع الله بهم فى الإسلام، أن يهود كانوا معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا لهم: إن نبيّا مبعوث الآن، قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبى الذى توعدكم به يهود، فلا تسبقكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركه قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقد
[ ١ / ٨٥ ]
عليهم، فتدعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذى أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك.
ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا.
فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ.
حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة فبايعوا رسول الله ﷺ.
فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب ابن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقهم فى الدين، فكان يسمى المقرئ بالمدينة:
مصعب، وكان ينزل على أسعد بن زرارة بن عدس أبى أمامة، وهو أول من جمع بمن أسلم بالمدينة، وكانوا أربعين رجلا.