وقدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة
[ ١ / ١٨١ ]
فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاما، فابعث معنا نقرا من أصحابك يفقهوننا فى الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائح الإسلام. فبعث رسول الله ﷺ نفرا ستة من أصحابه، وهم مرثد بن أبى مرثد الغنوى، حليف حمزة بن عبد المطلب، وخالد بن البكير الليثى، حليف بنى عدى بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، أخو بنى عمرو بن عوف ابن مالك بن الأوس، وخبيب بن عدى، أخو بنى جحجبى بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنة بن معاوية، أخو بنى بياضة بن عمرو بن زريق ابن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، وعبد الله بن طارق، حليف بنى ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.
وأمر رسول الله ﷺ على القوم مرثد بن أبى مرثد الغنوى، فخرج مع القوم، حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لهذيل بناحية الحجاز، على صدور الهداة «١» غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هذيلا، فلم يرع القوم وهم فى رحالهم، إلا الرجال بأيديهم السيوف، قد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم.
فأما مرثد بن أبى مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت، فقالوا:
والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا.
فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه، ليبيعوه من سلافة بنت سعد ابن شهيد، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد: لئن قدرت على
_________________
(١) بين موضع عسفان ومكة. []
[ ١ / ١٨٢ ]
رأس عاصم، لتشربن فى قحفه الخمر، فمنعته الدبر «١»، فلما حالت بينه وبينهم الدبر قالوا: دعوه يمسى، فنذهب عنه، فنأخذه. فبعث الله الوادى، فاحتمل عاصما، فذهب به. وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدا ألا يمسه مشرك، ولا يمس مشركا أبدا، تنجسا، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول، حين بلغه:
إن الدبر منعته: يحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فى حياته، فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه فى حياته.
وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدى، وعبد الله بن طارق، فلانوا ورقوا، ورغبوا فى الحياة، فأعطوا بأيديهم، فأسروهم، ثم خرجوا إلى مكة، ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران «٢»، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره ﵀، بالظهران.
وأما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة، فقدموا بهما مكة، فابتاع خبيبا حجير بن أبى إهاب التميمى، حليف بنى نوفل، لعقبة بن الحارث بن عامر نوفل، وكان أبو إهاب أخا الحارث بن عامر لأمه، ليقتله بأبيه.
وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية، ليقتله بأبيه، أمية بن خلف، وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له، يقال له نسطاس، إلى التنعيم، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه، واجتمع رهط من قريش، فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال
_________________
(١) الدبر: الزنابير والنحل.
(٢) القران: الحبل.
[ ١ / ١٨٣ ]
له أبو سفيان، حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمدا عندنا الآن فى مكانك نضرب عنقه، وأنك فى أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه، تصيبه شوكة تؤذيه، وأنى جالس فى أهلى. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا، ثم قتله نسطاس، يرحمه الله.
ثم خرجوا بخبيب، حتى إذا جاءوا به إلى التنعيم ليصلبوه، قال لهم:
إن رأيتم أن تدعونى حتى أركع ركعتين، فافعلوا، قالوا: دونك فاركع.
فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم، فقال: أما والله لولا أن تظنوا أنى إنما طولت جزعا من القتل، لاستكثرت من الصلاة.
فكان خبيب بن عدى أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين.
ثم رفعوه على خشبة، فلما أو ثقوه، قال: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك، فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا. ثم قتلوه ﵀.