ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بنى النضير يستعينهم فى دية ذينك القتيلين من بنى عامر، اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى، للجوار الذى كان رسول الله ﷺ عقد لهما، وكان بين بنى النضير وبين بنى عامر عقد وحلف، فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم فى دية ذينك
_________________
(١) القرقرة: موضع قريب من المدينة.
[ ١ / ١٨٦ ]
القتيلين، قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه- ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد- فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه صخرة كما قال، ورسول الله ﷺ فى نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعلىّ، رضوان الله عليهم.
فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة، فلما استلبث النبى ﷺ أصحابه، قاموا فى طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلا المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ، حتى انتهوا إليه ﷺ، فأخبرهم الخبر، بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.
وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. ثم سار بالناس حتى نزل بهم، وذلك فى شهر ربيع الأول، فحاصرهم ست ليال، ونزل تحريم الخمر، فتحصنوا منه فى الحصون،
فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخيل، والتحريق فيها
، فنادوه: أن يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟
وقد كان رهط من بنى عوف بن الخزرج، منهم عدو الله عبد الله ابن أبىّ بن سلول، ووديعة، ومالك بن أبى قوقل، وسويدا وداعس،
[ ١ / ١٨٧ ]
قد بعثوا إلى بنى النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله فى قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم، ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل.
فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن عتبة بابه فيضعه على ظهر بعيره، فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام. وخلوا الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله ﷺ على المهاجرين الأولين دون الأنصار. إلا أن سهل بن حنيف، وأبا دجانة سماك بن خرشة، ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول الله ﷺ.
ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان، يأمين بن عمير، أبو كعب ابن عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما، فأحرزاها.