وكان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود، منهم: سلام بن أبى الحقيق النضرى، وحيى بن أخطب النضرى، وكنانة بن أبى الحقيق النضرى، وهوذة بن قيس الوائلى، وأبو عمار الوائلى، فى نفر من بنى النضير، ونفر من بنى وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم عليه، حتى نستأصله. فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه.
فلما قالوا ذلك لقريش، سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا لذلك، واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود، حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه. وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه.
فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها
[ ١ / ١٩٠ ]
عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فى بنى فزارة، والحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى، فى بنى مرة، ومسعر بن رخيلة، فيمن تابعه من قومه أشجع.
فلما سمع بهم رسول الله ﷺ، وما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيبا للمسلمين فى الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله ﷺ وعن المسلمين فى عملهم ذلك، رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله ﷺ، ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته نائبة، من الحاجة التى لا بد له منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ، ويستأذنه فى اللحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة فى الخير، واحتسابا له.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق، أقبلت قريش، حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، فى عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة. وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا إلى جانب واحد، وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، فى ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هناك عسكره، والخندق بينه وبين القوم.
واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأمر بالذرارى والنساء فجعلوا فى الآطام.
وخرج عدو الله حيى بن أخطب النضرى، حتى أتى كعب بن أسد
[ ١ / ١٩١ ]
القرظى، صاحب عقد بنى قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده. فلما سمع كعب بحيى بن أخطب، أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيى: ويحك يا كعب! افتح لى، قال: ويحك يا حيى! إنك امرؤ مشئوم، وإنى قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بينى وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا، قال ويحك افتح لى أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دونى إلا عن جشيشك أن آكل معك منها، فأحفظ الرجل، ففتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها، حتى انزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها، حتى أنزلتهم إلى جانب أحد، قد عاهدونى وعاقدونى على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، فقال له كعب: جئتنى والله بذل الدهر، ويحك يا حيى، فدعنى وما أنا عليه، فإنى لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيى بكعب يفتله فى الذروة والغارب، حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدا، أن أدخل معك فى حصنك، حتى يصيبنى ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ.
فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ بن النعمان، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليم، أحد بنى ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة، أخو بنى الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير، أخو بنى عمرو بن عوف، فقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقّا، فألحنو لى لحنا
[ ١ / ١٩٢ ]
أعرفه، ولا تفتوا فى أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم، فاجهروا به للناس. فخرجوا حتى أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، فيما نالوا من رسول الله ﷺ، وقالوا: من رسول الله؟
لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاعتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة.
ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما، إلى رسول الله ﷺ، فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة- أى كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع، خبيب وأصحابه- فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين.
وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير، أخو بنى عمرو بن عوف: كأن محمدا يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.
وحتى قال أوس بن قيظى، أحد بنى حارثة بن الحارث: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملأ من رجال قومه، فائذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج المدينة. فأقام رسول الله ﷺ، وأقام عليه المشركون بعضا وعشرين ليلة، قريبا من شهر، لم تكن بينهم حرب إلا المراماة بالنبل والحصار.
فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبى حارثة المرى، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، على أن (م ١٣- الموسوعة القرآنية- ج ١)
[ ١ / ١٩٣ ]
يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة فى ذلك. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لابد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟
قال: بل شىء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأننى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب. فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله ﷺ: فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا.
فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبدود بن أبى قيس، أخو بنى عامر بن لؤى، وعكرمة بن أبى جهل، وهبيرة بن أبى وهب، المخزوميان، وضرار بن الخطاب الشاعر، ابن مرداس، أخو بنى محارب بن فهر، تلبسوا للقتال، ثم خرجوا على خيلهم، حتى مروا بمنازل بنى كنانة، فقالوا: تهيئوا يا بنى كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان
[ ١ / ١٩٤ ]
اليوم، ثم أقبلوا تعتق بهم خيلهم، حتى وقفوا على الخندق، فلما رأره قالوا:
والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه فجالت بهم فى السبخة بين الخندق وسلع، وخرج على بن أبى طالب ﵁ فى نفر من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التى أقحموا منها بخيلهم.
وأفبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبدود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه.
فلما وقف هو وخيله، قال: من يبارز؟ فبرز له على بن أبى طالب، فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه؟ قال له: أجل، قال له على: فإنى أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لى بذلك. قال: فإنى أدعوك إلى النزال. فقال له: يا بن أخى، فو الله ما أحب أن أقتلك، قال له على:
لكنى والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه ثم أقبل على علىّ، فتنازلا وتجاولا، فقتله على ﵁، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة.
وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه، فيما وصف الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان، أتى رسول الله ﷺ،
[ ١ / ١٩٥ ]
فقال: يا رسول الله: إنى قد أسلمت، وإن قومى لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت. فقال رسول الله ﷺ: إنما أنت فينا رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة.
فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة، وكان لهم نديما فى الجاهلية، فقال: يا بنى قريظة، قد عرفتم ودى إياكم، وخاصة ما بينى وبينكم، قالوا: صدقت، لست عندنا بمتهم، فقال لهم:
إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثفة لكم، على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. فقالوا له: لقد أشرت بالرأى ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبى سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودى لكم وفراقى محمدا، وإنه قد بلغنى أمر قد رأيت على حقّا أن أبلغكموه، نصحا لكم فاكتموا عنى، فقالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه:
إنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقى منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا
[ ١ / ١٩٦ ]
ثم خرج حتى أتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلى وعشيرتى، وأحب الناس إلىّ، ولا أراكم تتهمونى، قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عنى، قالوا: نفعل، فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله ﷺ أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل فى نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا القتال، حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم: إن اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى أن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل فى بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذى حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بنى قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة، حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذى ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها. وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل فى بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا.
فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم. وبعث الله عليهم الريح فى ليال شانية باردة
[ ١ / ١٩٧ ]
شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم. فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم، دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلا.
قال حذيفة: فذهبت فدخلت فى القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذى كان إلى جنبى، فقلت: من أنت؟ قال: فلان ابن فلان.
ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذى نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنى مرتحل. ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فو الله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله ﷺ إلى «أن لا تحدث شيئا حتى تأتينى» ثم شئت لقتلته بسهم.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلى فى مرط لبعض نسائه، مراجل، فلما رآنى أدخلنى إلى رجليه، وطرح علىّ طرف المرط، ثم ركع وسجد، وإنى لقيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون، ووضعوا السلاح.
[ ١ / ١٩٨ ]
فلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله ﷺ، معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، فقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله ﷿ يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم.
فأمر رسول الله ﷺ مؤذنا، فأذن فى الناس، من كان سامعا مطيعا، فلا يصلينّ العصر إلا ببنى قريظة. واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
وقدم رسول الله ﷺ علىّ بن أبى طالب برأيته إلى بنى قريظة، وابتدرها الناس. فسار على بن أبى طالب، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله ﷺ، فرجع حتى لقى رسول الله ﷺ بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: لم؟ أظنك سمعت منهم لى أذى؟ قال: نعم يا رسول الله، قال لو: رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم. قال: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا.
ومر رسول الله ﷺ بنفر من أصحابه بالصورين «١» قبل أن يصل إلى بنى قريظة فقال: هل مر بكم أحد؟ قالوا: يا رسول الله، قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبى، على بغلة بيضاء عليها رحالة، عليها قطيفة ديباج. فقال
_________________
(١) الصورين: موضع قرب المدينة.
[ ١ / ١٩٩ ]
رسول الله ﷺ ذلك جبريل، بعث إلى بنى قريظة يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب فى قلوبهم.
ولما أتى رسول الله ﷺ بنى قريظة نزل على بئر من آبارها من ناحية أموالهم، يقال لها: بئرأنىّ.
وتلاحق به الناس، فأتى رجال منهم من بعد العشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر، لقول رسول الله ﷺ: «لا يصلينّ أحد العصر إلا ببنى قريظة»، فشغلهم ما لم يكن منه بد فى حربهم، وأبوا أن يصلوا، لقول رسول الله ﷺ: «حتى تأتوا بنى قريظة» فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة،
فما عابهم الله بذلك فى كتابه، ولا عنفهم به رسول الله ﷺ، وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار وقذف الله فى قلوبهم الرعب.
وقد كان حيى بن أخطب دخل مع بنى قريظة فى حصنهم، حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه. فلما أيقنوا بأن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإنى عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هى؟
قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فو الله لقد تبين لكم إنه لنبى مرسل، وإنه للذى تجدونه فى كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره قال:
فإذا أبيتم على هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد،
[ ١ / ٢٠٠ ]
فإن نهلك نهلك، ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمرى لنجدن النساء والأبناء، قالوا: نقتل هؤلاء المساكين! فما خير العيش بعدهم؟ قال:
فإن أبيتم علىّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة، قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ؟ قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما.
ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ: أن ابعث إلينا أبا لبابة ابن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، لنستشيره فى أمرنا. فأرسله رسول الله ﷺ إليهم، فلما رأواه قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه، فرقّ لهم. وقالوا له:
يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه. إنه الذبح. قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله ﷺ. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه،
ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط فى المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكانى هذا حتى يتوب الله على مما صنعت، وعاهد الله ألا أطأ بنى قريظة أبدا، ولا أرى فى بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.
فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره، وكان قد استبطأه، قال:
أما إنه لو جاءنى لاستغفرت له، فأما إذ قد فعل ما فعل، فما أنا بالذى أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
[ ١ / ٢٠١ ]
ثم إن توبة أبى لبابة نزلت على رسول الله ﷺ من السحر، وهو فى بيت أم سلمة. فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك، فقلت: مم تضحك يا رسول الله، أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبى لبابة، قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟
قال: بلى، إن شئت. فقامت على باب حجرتها- وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب- فقالت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذى يطلقنى بيده، فلما مر عليه رسول الله ﷺ خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.
وقد أقام أبو لبابة مرتبطا بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته فى كل وقت صلاة، فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، ثم إن ثعلبة بن سعية، وأسيد ابن سعية، وأسد بن عبيد، وهم نفر من بنى هدل، ليسوا من بنى قريظة ولا النضير، هم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله ﷺ. وخرج فى تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظى، فمر بحرس رسول الله ﷺ، وعليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى- وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة فى غدرهم برسول الله ﷺ، وقال: لا أغدر بمحمد أبدا- فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمنى إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله.
فخرج على وجهه حتى أتى باب مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض
[ ١ / ٢٠٢ ]
إلى يومه هذا، فذكر لرسول الله ﷺ شأنه، فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفاته. فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت فى أموال إخواننا بالأمس ما قد علمت- وقد كان رسول الله ﷺ قبل بنى قريظة قد حاصر قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه، فسأله إياهم عبد الله بن أبىّ بن سلول، فوهبهم له- فلما كلمته الأوس، قال رسول الله ﷺ: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال رسول الله ﷺ: فذاك إلى سعد بن معاذ. وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ فى خيمة لامرأة من أسلم، يقال لها: رفيدة، فى مسجده، كانت تداوى الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله ﷺ قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه فى خيمة رفيدة، حتى أعوده من قريب. فلما حكمه رسول الله ﷺ فى بنى قريظة، أتاه قومه، فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله ﷺ، وهم يقولون:
يا أبا عمرو، أحسن فى مواليك، فإن رسول الله ﷺ، وهم يقولون:
يا أبا عمرو، أحسن فى مواليك، فإن رسول الله ﷺ إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ألا تأخذه فى الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الأشهل، فنعى لهم رجال بنى قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التى سمع منه، فلما انتهى سعد إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، قال رسول الله ﷺ: قوموا
[ ١ / ٢٠٣ ]
إلى سيدكم- فأما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول الله ﷺ الأنصار، وأما الأنصار، فيقولون: قد عم بها رسول الله ﷺ- فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمر، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم، وعلى من هاهنا، فى الناحية التى فيها رسول الله ﷺ، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه إجلالا له. فقال رسول الله ﷺ: نعم، قال سعد: فإنى أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذرارى والنساء.
فقال رسول الله ﷺ لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة»، ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله ﷺ بالمدينة فى دار بنت الحارث، امرأة من بنى النجار، ثم خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة، التى هى سوقها اليوم، فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم فى تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا، وفيهم عدو الله حيى بن أخطب، وكعب بن أسد، رأس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة. ولقد قالوا لكعب بن أسد، وهم يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ قال: فى كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعى لا ينزع، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع؟ هو والله القتل. فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله ﷺ.
وأتى بحيى بن أخطب عدو الله، وعليه حلة له من الوشى قد شقها عليه
[ ١ / ٢٠٤ ]
من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها- مجموعة يداه إلى عنقه بحبل- فلما نظر إلى رسول الله ﷺ قال: أما والله ما لمت نفسى فى عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل. ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. قالت عائشة: ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت عائشة: والله إنها لعندى تحدث معى، وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله ﷺ يقتل رجالها فى السوق، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟
قالت: أنا والله. قالت: قلت لها: ويلك! ما لك؟ قالت: أقتل. قلت: ولم؟ قالت:
لحدث أحدثته. قالت: فانطلق بها، فضربت عنقها، فكانت عائشة تقول: فو الله ما أنسى عجبا منها، طيب نفسها وكثرة ضحكها، وقد عرفت أنها تقتل.
وكان ثابت بن قيس بن الشماس قد أتى الزبير بن باطا القرظى، وكان الزبير قد من على ثابت بن قيس بن شماس فى الجاهلية، أخذه يوم بغاث فجز ناصيته، ثم خلى سبيله، فجاءه ثابت وهو شيخ كبير، فقال: يا أبا عبد الرحمن، هل تعرفنى؟ قال: وهل يجهل مثلى مثلك، قال: إنى قد أردت أن أجزيك بيدك عندى، قال: إن الكريم يجزى الكريم. ثم أتى ثابت بن قيس رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنه قد كانت للزبير علىّ منّة، وقد أحببت أن أجزيه بها، فهب لى دمه، فقال رسول الله ﷺ:
هو لك، فأتاه فقال: إن رسول الله ﷺ قد وهب لى دمك، فهو لك، قال: شيخ كبير لا أهل له ولا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟ قال: فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: بأبى أنت وأمى يا رسول الله: هب لى امرأته وولده، قال: هم لك. قال: فأتاه، فقال: قد وهب لى رسول الله ﷺ
[ ١ / ٢٠٥ ]
أهلك وولدك، فهم لك، قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: ماله؟ قال:
هو لك.
فأتاه ثابت فقال: قد أعطانى رسول الله ﷺ مالك، فهو لك، قال: أى ثابت، ما فعل الذى كان وجهه مرآة صينية يتراءى فيها عذارى الحى، كعب بن أسد، قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر والبادى حيى بن أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا، وحاميتنا إذا فررنا، عزال بن سموءل؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان؟
يعى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة، قال: ذهبوا، قتلوا قال:
فإنى أسألك يا ثابت بيدى عندك إلا ألحقتنى بالقوم، فو الله ما فى العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا بصابر لله فتلة دلو ناضح «١» حتى ألقى الأحبة، فقدمه ثابت، فضرب عنقه.
ثم إن رسول الله ﷺ قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين. ثم بعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأنصارى، أخا بنى عبد الأشهل، بسبايا من سبايا بنى قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا.
وكان رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو، إحدى نساء بنى عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله ﷺ حتى توفى عنها وهى فى ملكه، وقد كان رسول الله ﷺ عرض عليها أن يتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول
_________________
(١) الناضح: الحبل، أى مقدار ما تخرج به الدلو من البئر.
[ ١ / ٢٠٦ ]
الله، بل تتركى فى ملكك، فهو أخف علىّ وعليك، فتركها. وقد كانت حين سباها قد تعصت بالإسلام، وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله ﷺ، ووجد فى نفسه لذلك من أمرها. فبينما هو مع أصحابه، إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: إن هذا لثعلبة بن سعية يبشرنى بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا رسول الله، قد أسلمت ريحانة، فسره ذلك من أمرها.
ولما انصرف أهل الخندق عن الخندق، قال رسول الله ﷺ:
لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، لو كنتم تغزونهم.
فلم تغزهم قريش بعد ذلك، وكان هو الذى يغزوها حتى فتح الله عليه مكة.
ولما انقضى شأن الخندق، وأمر بنى قريظة، وكان سلام بن أبى الحقيق، وهو أبو رافع. فيمن حزّب الأحزاب على رسول الله ﷺ، وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف، فى عداوته لرسول الله ﷺ، وتحريضه عليه، استأذنت الخروج رسول الله ﷺ فى قتل سلام بن أبى الحقيق، وهو بخيبر، فأذن لهم.