ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو، أخا بنى عامر بن لؤى، إلى رسول الله ﷺ، وقالوا له: إيت محمدا فصالحه، ولا يكن فى صلحه إلا ان يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا.
فأتاه سهيل بن عمرو،
فلما رآه رسول الله ﷺ مقبلا، قال:
قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل.
فلما انتهى سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ، تكلّم، فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح.
فلما التأم الأمر، ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب، فأتى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطى الدنية فى ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه «١»، فإنى أشهد أنه رسول الله ﷺ، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم
أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى.
قال: فعلام نعطى الدنية فى ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعنى!
فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلى وأعتق، من
_________________
(١) الزم غرزه: الزم أمره. (م ١٥- الموسوعة القرآنية- ج ١)
[ ١ / ٢٢٥ ]
الذى صنعت يومئذ، مخافة كلامى الذى تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرا.
ثم دعا رسول الله ﷺ على بن أبى طالب رضوان الله عليه، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ:
اكتب باسمك اللهم، فكتبها. ثم قال: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب: اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله ﷺ: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر منين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأنه من أحب أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن فى عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن فى عقد قريش وعهدهم، وإنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وإنه إذا كان عام قابل، خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب، السيوف فى القرب، لا تدخلها بغيرها.
[ ١ / ٢٢٦ ]
قد بعثته قريش إلى رسول الله ﷺ، ليشد العقد، ويزيد فى المدة، وقد رهبوا الذى صنعوا. فلما لقى أبو سفيان بديل بن ورقاء، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله ﷺ، قال: تسيرت فى خزاعة فى هذا الساحل، وفى بطن هذا الوادى، قال: أو ما جئت محمدا! قال: لا. فلما راح بديل إلى مكة، قال أبو سفيان: لئن جاء بديل المدينة لقد علف بها النوى، فأتى مبرك راحلته، فأخذ من بعرها ففته، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا.
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبى سفيان. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية، ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ. قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدى شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبى بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله ﷺ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ؟
فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به.
ثم خرج فدخل على علىّ بن أبى طالب رضوان الله عليه، وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ، ورضى عنها، وعندها الحسن بن علىّ، غلام يدب بين يديها، فقال: يا على، إنك أمس القوم بى رحما، وإنى قد جئت فى حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لى إلى رسول الله، فقال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر، ما نستطيع أن نكلمه فيه.
فالتفت إلى فاطمة فقال: يابنة محمد، هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين
[ ١ / ٢٢٧ ]
ومحمود بن مسلمة، ومكرز بن حفص، وهو يومئذ مشرك، وعلى بن أبى طالب، وكتب، وكان هو كاتب الصحيفة.
فلما فرغ رسول الله ﷺ من الصلح قدم إلى هديه فنحره، ثم جلس فحلق رأسه. فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ قد نحر وحلق، تواثبوا ينحرون ويحلقون.
ثم انصرف رسول الله ﷺ من وجهه ذلك قافلا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة، نزلت سورة الفتح. فما فتح فى الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، وإنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا فى الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل فى تينك السنتين مثل من كان فى الإسلام قبل ذلك، أو أكثر.