فلما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة من خيبر، أقام بها شهرى ربيع وجماديين ورجبا وشعبان ورمضان، وشوالا، يبعث فيما بين ذلك من غزوه وسراياه ﷺ، ثم خرج فى ذى القعدة فى الشهر الذى صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التى صدوه عنها.
واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الديلى، ويقال لها: عمرة القصاص، لأنهم صدوا رسول الله ﷺ فى ذى القعدة فى الشهر الحرام من سنة ست، فاقتص رسول الله ﷺ منهم. فدخل مكة فى ذى القعدة وفى الشهر الحرام الذى صدوه فيه، من سنة سبع.
وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه فى عمرته تلك، وهى سنة سبع، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه، وتحدثت قريش بينها أن محمدا وأصحابه فى عسرة وجهد وشدة، وصفوا له عند دار الندوة، لينظروا إليه، وإلى أصحابه،
فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطجع بردائه، وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: رحم الله أمرا أراهم اليوم من نفسه قوة
، ثم استلم الركن وخرج يهرول ويهرول أصحابه معه، حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليمانى، مشى حتى يستلم الركن الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف، ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم، وذلك أن رسول الله ﷺ إنما صنعها لهذا الحى من قريش للذى بلغه عنهم، حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها، فمضت السنة بها.
ثم إن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة بنت الحارث فى سفره ذلك وهو حرام، وكان الذى زوجه إياها العباس بن عبد المطلب، وكانت
[ ١ / ٢٣١ ]
جعلت أمرها إلى أختها أم الفضل، وكانت أم الفضل تحت العباس، فجعلت أم الفضل أمرها إلى العباس، فزوجها رسول الله ﷺ بمكة، وأصدقها عن رسول الله ﷺ أربعمائة درهم.
فأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا، فأتاه حويطب بن عبد العزى فى نفر من قريش، فى اليوم الثالث، وكانت قريش قد وكلته بإخراج رسول الله ﷺ من مكة، فقالوا له: إنه قد انقضى أجلك، فأخرج عنا.
فقال النبى ﷺ: وما عليكم لو تركتمونى فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما فحضرتموه؟ قالوا: لا حاجة لنا فى طعامك، فأخرج عنا.
فخرج رسول الله ﷺ، وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسرف، فبنى بها رسول الله ﷺ هنا لك، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة فى ذى الحجة، فأقام بها بقية ذى الحجة، والمحرم وصفر وشهرى ربيع.