وبعث رسول الله ﷺ بعثة إلى مؤتة، فى جمادى الأولى سنة ثمان، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبى طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس.
فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم، ودع الناس أمراء رسول الله ﷺ، وسلموا عليهم، فلما ودع عبد الله بن رواحة من ودع، من أمراء رسول الله ﷺ، بكى،
[ ١ / ٢٣٢ ]
فقالوا: ما يبكيك يابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بى حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكنى سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله ﷿، يذكر فيها النار وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، فلست أدرى كيف لى بالصدور بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين. ثم خرج القوم، وخرج رسول الله ﷺ يودعهم، ثم مضوا حتى نزلوا معان، من أرض الشام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب، من أرض البلقاء، فى مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى، مائة ألف منهم، فلما بلغ ذلك المسلمون أقاموا على معان ليلتين، يفكرون فى أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضى له. فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن التى تكرهون، للتى خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما تقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هى إحدى الحسنيين: إما ظهور، وإما شهادة. فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة.
فمضى الناس، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء، لقيتهم جموع هرقل، من الروم والعرب، بقرية من قرى البلقاء، يقال لها: مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة، يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار، يقال له: عباية بن مالك، ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط «١» فى رماح القوم.
_________________
(١) شاط: سال دمه فهلك.
[ ١ / ٢٣٣ ]
ثم أخذها جعفر، فقاتل بها، حتى إذا ألجمه القتال، اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر فى الإسلام، أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل ﵁، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين فى الجنة يطير بهما حيث شاء.
فلما قتل جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد، ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت فى أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، ثم انتهش منه نهشة، ثم سمع الحطمة «١» فى ناحية الناس، فقال: وأنت فى الدنيا! ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل.
ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم، أخو بنى العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس.
ولما أصيب القوم قال رسول الله ﷺ: أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر، فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم صمت رسول الله ﷺ حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان فى عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال:
ثم أخذها عبد الله بن رواحة، فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم قال: لقد رفعوا إلى فى الجنة، فيما يرى النائم، على سرر من ذهب، فرأيت فى سرير
_________________
(١) الحطمة: زحام الناس.
[ ١ / ٢٣٤ ]
عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريرى صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ فقيل لى:
مضيا، وتردد عبد الله بعض التردد، ثم مضى.
ولما دنوا من حول المدينة، تلقاهم رسول الله ﷺ والمسلمون، ولقيهم الصبيان يشتدون، ورسول الله ﷺ مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، وأعطونى ابن جعفر، فأتى بعبد الله، فأخذه فحمله بين يديه، وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون:
يا فرار، فررتم فى سبيل الله! فيقول رسول الله ﷺ: ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى.
ثم أقام رسول الله ﷺ بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجبا.