حكم الاستعاذة:
أجمع العلماء على أن التعوذ ليس من القرآن، ولا آية منه، وهو قول القارئ: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وهذا اللفظ هو الذي عليه الجمهور من العلماء، لأنه لفظ كتاب الله تعالى (٢)، في التعوذ، قال الله - ﷿ -: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣)، والفاتحة قرآن، والشيطان أحرص ما
_________________
(١) الآية (٤٠) من سورة الحج.
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٨٧).
(٣) الآية (٩٨) من سورة النحل.
[ ٨٩ ]
يكون على إيذاء المسلم في صلاته، لأنه إذا أفسدها عليه فقد نال ما تمنى، لذلك ورد النص على قراءتها في الاستفتاح عند الدارمي (١)، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام من الليل فكبر قال: (سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفثه، ونفخه) (٢)، ثم يستفتح صلاته.
وأخرجه أبو داوود وابن ماجه وابن حبان من حديث جبير بن مطعم - ﵁ - واللفظ لا بن ماجه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين دخل في الصلاة قال: (الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا ــ ثلاثا ــ الحمد لله كثيرا، الحمد لله كثيرا ــ ثلاثا ــ سبحان الله بكرة وأصيلا ــ ثلاث مرات ــ اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفثه، ونفخه) (٣).
_________________
(١) سنن الدارمي، حديث (١٢٤٢) ونقد الحديث بعض العلماء، وأعله بعلي بن علي بن نجاد الرفاعي، والصواب أن الحديث لا ينزل عن الحسن، فله شواهد، وعلي المذكور، وثقه غير واحد كما ذكر الذهبي في الكاشف (٢/ ٢٩١) وقال ابن حجر: لا بأس به، ويقال: كان يشبه بالنبي - ﷺ -.
(٢) ورد تفسير هذه الكلمات عند الدارمي عقب الرواية، وكذلك عند أبي داوود وابن ماجة، همزه: المؤتة (وهي الجنون) ونفثه: الشِّعر، ونفخه: الكبر.
(٣) عند أبي داوود: قال عمرو: لا أدري أي صلاة هي.
[ ٩٠ ]
وقد جاء ما يدل على تعلق هذا بالصلاة مباشرة، أخرجه الإمام مسلم (١)، من حديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ -، أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها عليّ، فقال الرسول - ﷺ -: (ذاك شيطان يقال له خِنْزِبَ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثا) قال: فقلت ذلك فأذهبه الله عني.
وأخرج ابن ماجة من حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: (اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه، ونفثه) (٢)، فنحن مأمورون بمحاربة عدونا الشيطان في جميع الأحوال عند القراءة سواء في الصلاة أو غيرها (٣)،
_________________
(١) في الصحيح، حديث (٦٨).
(٢) سنن ابن ماجة، حديث (٨٠٨) وصححه الألباني (صحيح ابن ماجة ١/ ١٣٥).
(٣) حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - (أن رسول الله - ﷺ - يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢/ ٨٦، رقم ٢٥٨٩) وأخرجه أبو داود في السنن (١/ ٤٩٠) كتاب الصلاة، باب (١٢١) حديث (١٢٢) وحديث أبي أمامة - ﵁ - (كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثا، وسبح ثلاثا، وهلل ثلاثا، ثم يقول: إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم) أخرجه الإمام احمد (المسند ٥/ ٢٥٣) وحديث جبير بن مطعم - ﵁ - في الاستعاذة في الصلاة، أخرجه أبو داود، حديث (٧٦٤).
[ ٩١ ]
وإذا أصبحنا وأمسينا (١)، وعند دخول المسجد (٢)، وعند ثورة النفس، وعند حدوث الغضب (٣)، وحتى عند معاشرة الزوجات (٤)، فندعو كل مسلم إلى الحرص على الاستعاذة في مستهل القراءة في الصلاة، فريضة أو نافلة، وقد نقل القرطبي قول المهدوي: أجمع القراء على إظهار الاستعاذة، في أول قراءة سورة (الحمد) إلا حمزة فإنه أسرَّها (٥)، وهذا إجماع منهم على قراءتها في أول سورة (الحمد) وهذا ما نراه لكل مسلم القراءة بها
_________________
(١) حديث معقل بن يسار - ﷺ - (من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ..) الحديث أخرجه الإمام أحمد (المسند (٥/ ٢٦) وحديث أبي هريرة - ﵁ - في أمره - ﷺ - لأبي بكر أن يقول إذا أمسى وإذا أصبح: .. أعوذ بك من شر نفسى وشر الشيطان وشركه) أخرجه أبو داود، حديث (٥٠٦٧) والترمذي حد يث (٣٣٩٢).
(٢) حديث عبد الله بن عمر بن العاص - ﵁ - عن النبي - ﷺ - (أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم) أخرجه أبو داود، حديث (٤٦٦).
(٣) حديث سليمان بن صرد - ﵁ - أخرجه البخاري، حديث (٣٢٨٢، ٦٠٤٨) وأخرجه مسلم، حديث (٢٦١٠) وأخرجه أبو داود من حديث معاذ - ﵁ -، حديث (٤٧٨٠).
(٤) حديث ابن عباس - ﵁ - (اللهم جنبنا الشيطان ..) أخرجه البخاري، حديث (٣٢٧١) وهذه النصوص وإن تكلم النقاد في بعض رواتها فهو كلام لا يخرج عن حد القول بتظافر الروايات وأنها لا تقل عن درجة الصحيح لغيره.
(٥) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٨٧).
[ ٩٢ ]
في سورة (الفاتحة) فإن اقتصر بعد ذلك على البدء بها في الركعة الأولى فحسن، وإن قرأها في كل ركعة كان أحسن، ومعلوم ما ورد من الترغيب في الاستعاذة في غير الصلاة، لما فيها من الحرز والحصانة، وهو مما يحرص عليه المسلم، فإن في الاستعاذة إشارة إلى نفي ما لا يجوز من العقائد والأعمال (١)، وهذه حصانة للروح قبل حصانة الجسد.