لماذا تعددت أسماء الفاتحة؟
تنوعت أسماء الفاتحة بحسب تنوع ما فيها من الدلالة، وما فيها من الفضل، وما اشتملت عليه من المقاصد، وما فيها من البركة والخير، وبيان ذلك على النحو التالي:
_________________
(١) وللعلم فإن الفاتحة لا تشمل سبعة أحرف وهي (ث، ج، خ، ز، ش، ظ، ف) انظر: (روح المعاني ١/ ٣٦).
(٢) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٠).
(٣) انظر: (بصائر ذوي التمييز ١/ ١٢٨).
(٤) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١١).
(٥) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني (١/ ٣٤).
[ ١٦ ]
سميت الفاتحة: لأنها يفتتح بكتابتها المصاحف، ويقرأ بها في الصلوات فهي فواتح لما يتلوها من سور القرآن، في الكتابة والقراءة (١).
سميت أم القرآن: لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، في القراءة والكتابة (٢).
وهي أم الكتاب لأن أم الشيء: أصله وعماده كما سميت مكة؛ أم القرى لأنها توسطت الأرض (٣).
وهذا ليس زعمًا، فقد ثبت علميا في عصرنا هذا، والفاتحة لا شك أنها أم الكتاب (القرآن) لأنها جمعت ما فصل فيه، وقد ثبت في الصحاح تسميتها بذلك (٤) ونقل القرطبي كراهة ذلك عن أنس والحسن وابن سيرين، والجمهور على الجواز؛ وإذا صح الخبر عن رسول الله - ﷺ - فلا عبرة بقول غيره (٥).
سميت السبع المثاني: لأن جميع القراء والعلماء لم يختلفوا على أنها سبع آيات، ولكونها المثاني التي امتن
_________________
(١) جامع البيان عن وجوه تأويل القرآن (١/ ١٠٧ - ١٠٩) انظر: (تفسير الفاتحة والبقرة للسمعاني ١/ ٣٥١ - ٣٥٣) ومعالم التنزيل (١/ ٣٧) وغيرها من التفاسير التي ارتكزت على ما عند إمام المفسرين الطبري.
(٢) جامع البيان عن وجوه تأويل القرآن (١/ ١٠٧).
(٣) ترتيب القاموس (١/ ١٧٩).
(٤) انظر صحيح مسلم (١/ ٢٩٦ رقم ٣٩ - ٤١) وروح المعاني في تأويل القرآن العظيم والسبع المثاني (١/ ٣٥).
(٥) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١١).
[ ١٧ ]
الله - ﷿ - بها على عبده ورسوله محمد - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (١)، كما فسرها الإمام الحسن البصري ﵀ بذلك، ووصف رسول الله - ﷺ - آياتها السبع بأنهن مثان، فلأنها تثنى قراءتها في كل صلاة تطوعا أو مكتوبة (٢)، وعلل مجاهد ﵀ هذه التسمية: بأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة، كأنه أوحاها لهم ولم يعطها أحدًا من الأمم (٣)، ومعلوم أن هذه السورة العظيمة تثنى قراءتها في كل ركعة وتثنى في كل صلاة فالتثنية مضاعفة.
قال أبو جعفر الطبري: وليس في وجوب اسم (السبع المثاني) لفاتحة الكتاب ما يدفع صحة وجوب اسم (المثاني) للقرآن كله، لأن لكل وجها ومعنى مفهوما (٤)،
_________________
(١) الآية (٨٧) من سورة الحجر، وانظر جامع البيان عن وجوه تأويل القرآن (١/ ١٠٩) منه حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) أخرجه الإمام البخاري، حديث (٤٧٠٤) وأخرجه الطبري بسند صحيح (جامع البيان ١/ ١٠٧).
(٢) جامع البيان عن وجوه تأويل القرآن (١/ ١٠٩).
(٣) تفسير الفاتحة والبقرة للسمعاني (١/ ٣٥٣) وانظر: (الكشاف ١/ ٤).
(٤) جامع البيان (١/ ١١٠) باختصار.
[ ١٨ ]
قلت: كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (١)، أطلق الله - ﷿ - هذا على كتابه، لأن الأخبار تثنى فيه (٢).
سميت الوافية: لأنها لا تتنصف، فلا يجوز أن يُقرأ نصفها في ركعة والنصف الآخر في ركعة أخرى، وهذه خصوصية الفاتحة فهي لا تقبل التنصيف ولا الاختزال بخلاف بقية سور القرآن فإن ذلك جائز فيها (٣).
سميت الكنز: لقوله - ﷺ -: (إنها أنزلت من كنز تحت العرش) (٤).
ويدخل في مسمى (أم الكتاب، أم القرآن) قول من سماها (الأساس) جاء ذلك من قول الشعبي ﵀ لما شكا إليه رجل وجعا بخاصرته: عليك بأساس القرآن، فاتحة الكتاب، سمعت ابن عباس يقول: لكل شيء أساس،
_________________
(١) الآية (٢٣) من سورة الزمر.
(٢) انظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٤).
(٣) قاله سفيان بن عيينة في تفسيره، نقل عنه القرطبي (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٣).
(٤) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٩) والحديث أخرجه إسحاق بن راهويه - كما في الدر المنثور (١/ ١٦) - عن علي - ﵁ - وعزاه المتقي في الكنز (٢/ ٢٩٧) رقم (٤٠٥٠) إلى إسحاق والواحدي، وقد أورد البوصيري إسناد إسحاق في إتحاف الخيرة (١/ ٥) وفيه انقطاع بين فضيل بن عمرو، وعلي - ﵁ -، وله شواهد تقويه، عن أبي أمامة، وأنس، وعلي، ومعقل بن يسار - ﵃ - (موسوعة فضائل سور وآيات القرآن ١/ ٢٤ - ٦٢).
[ ١٩ ]
وأساس الدنيا مكة لأن منها دحيت (١) وأساس السموات (عريبًا) وهي السماء السابعة، وأساس الأرض (عجيبا) وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان (جنة عدن) وهي سرّة الجنان عليها أسست الجنة، وأساس النار (جهنم) وهي الدركة السابعة السفلى، عليها أسست الدرجات، وأساس الخلق (آدم) وأساس الأنبياء (نوح) وأساس بني إسرائيل (يعقوب) وأساس الكتب (القرآن) وأساس القرآن (الفاتحة) وأساس الفاتحة (بسم الله الرحمن الرحيم) فإذا اعتللت أو اشتكيت، فعليك بالفاتحة تُشفى (٢)، وذكره السيوطي مختصرا فقال: وأخرج الثعلبي عن الشعبي أن رجلا شكا إليه وجع الخاصرة (٣) فقال: عليك بأساس القرآن، قال: وما أساس القرآن؟، قال: فاتحة الكتاب (٤).
_________________
(١) وها نحن نسمع اليوم من علماء الجغرافية والمساحات: أن الكعبة هي نقطة الارتكاز لدائرة الأرض (الكعبة مركز العالم ص ٢٠٤).
(٢) لم يجزم الفعل لأن الطلب جاء باسم الفعل (عليك) وشرط جزم جواب الطلب أن يكون الطلب بالفعل، وانظر: (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٣).
(٣) الخاصرتان: جانبا البطن مما يلي الظهر، قال ابن الأثير: قيل: إنه وجع الكليتين (النهاية ٢/ ٣٧).
(٤) الدر المنثور (١/ ١٢).
[ ٢٠ ]
الحق أن الفاتحة رقية كلها، خلافا لمن قصرها على قول الله ﷾: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
سميت سورة الحمد والشكر والدعاء، وتعليم المسألة: لاشتمالها عليها (١)، وقد تضمنت معاني هذه الألفاظ أفضل ما يكون به الثناء، وأصدق ما يكون الطلب.
سميت الصلاة: لوجوب قراءتها فيها (٢).
أما قول الزمخشري: لأنها تكون فاضلة أو مجزئة فيها (٣)، فأقول: هي فاضلة في الصلاة وغيرها، والصواب ما تقدم؛ لأنها ركن في الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بقراءتها، قال - ﷺ -: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (٤)، وفي القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) (٥)، والمراد بالصلاة الفاتحة، عندما يقرؤها العبد في الصلاة وغيرها.
_________________
(١) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٩) وانظر: روح المعاني (١/ ٣٥).
(٢) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (١/ ٩) ولأن الله سماها صلاةً في الحديث القدسي.
(٣) الكشاف (١/ ٤).
(٤) أخرجه الإمام البخاري، حديث (٧٥٦).
(٥) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٣٩٥).
[ ٢١ ]
سميت الشفاء والشافية: لقول الرسول - ﷺ -: (هي شفاء من كل داء) (١).
سميت القرآن العظيم: ذكره القرطبي وعلله بقوله: لتضمنها جميع علوم القرآن (٢)، وفي نظري أن تستمد هذه التسمية من حديث أبي سعيد بن المعلى عند الإمام البخاري، أخرج الإمام البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى - ﵁ - قال: مر بي النبي - ﷺ - وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، فقال: (ما منعك أن تأتي؟) فقلت: كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٣)؟، ثم قال: ألا أعلمك أعظم سورة في
_________________
(١) أخرجه الدارمي (٢/ ٣٢٠) مرسلًا من حديث عبد الملك بن عمير، ويمكن أن يكون سمعه من أبي سعيد الخدري - ﵁ -، فإنا نظرنا في التأريخ وفيه إمكان السماع، لكن تكلم فيه الأئمة، ولا أرى رتبته إلا أقل مما قدّر له الحافظ في التقريب فإنه قال: ثقة، وجاء في تفسير القرطبي قوله: روى الدارمي عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (فاتحة الكتاب شفاء من كل سم). قلت: الذي عند الدارمي (من كل داء) واللفظ المذكور هو حديث أبي سعيد الخدري كما في شعب الإيمان للبيهقي ٢/ ٤٥٠ انظر (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١١٢).
(٢) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١٢).
(٣) من الآية (٢٤) من سورة الأنفال، ومن هذا يستفاد وجوب الاستجابة لنداء رسول الله - ﷺ - في حياته، وقطع ما يعوق الإجابة ولو كان العائق عبادة، وبعد موته - ﷺ - تكون الاستجابة لأمره ونهيه.
[ ٢٢ ]
القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟، فذهب النبي - ﷺ - ليخرج من المسجد فذكرته فقال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) (١)، أي في الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢)، وجعلها قسيمة للقرآن يكون أبلغ.
سميت الرقية، أخذا من قول رسول الله - ﷺ - للرجل الذي رقى سيد الحي: (وما يدريك أنها رقية؟) (٣).
سميت الكافية: لأنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها قال رسول الله - ﷺ -: (أم القرآن عوض عن غيرها،
_________________
(١) أخرجه الإمام البخاري، حديث (٤٤٧٤، ٤٧٠٣).
(٢) سورة الحجر آية (٨٧).
(٣) ذكر القرطبي من أسمائها الرقية وهي داخلة في اسم الشافية، وقد ثبتت الرقية بها من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال للرجل الذي رقى بها سيد الحي: (ما أدراك أنها رقية؟) استفهام تقرير، والحديث أخرجه الإمام البخاري، حديث (٢٢٧٦) وانظر أطرافه هناك، وانظر الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١٣).
[ ٢٣ ]
وليس غيرها منها عوضًا) (١)، ألا ترى أنك إذا لم تقرأ في الصلاة إلا الفاتحة أجزأ ذلك وصحت الصلاة، ولو تركت الفاتحة وقرأت بدلا عنها سورة من المطول لم يجز ذلك ولم تكن الصلاة صحيحة، ولا تعارض بينه وبين حديث المسيء صلاته، فإن قوله - ﷺ -: (واقرأ ما تيسر معك من القرآن) مفسر بأن المراد به ما زاد عنها في الامتنان، وإن كان الامتنان حاصلا بها وحدها لاشتمالها على ما ذكر، فكأن الله - ﷿ - امتن بها من
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ١١) والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٨) وقال رواة هذا الحديث أكثرهم أئمة وكلهم ثقات. هذا رأي الحاكم كما أسند الحافظ بن حجر في لسان الميزان عنه أنه قال: محمد بن خلاد الاسكندراني ثقة، وكذلك وثقه العجلي (تاريخ الثقات ٤٠٣) وذكره بن حبان (الثقات ٩/ ٨٥) قال ابن حجر: قلت: انفرد بهذا الخبر من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - مرفوعا اللسان ٥/ ١٥٦). وقد أعل الدارقطني هذا الحديث بتفرد محمد بن خلاد به عن أشهب عن ابن عيينة (انظر الإتحاف ٦/ ٤٢٩). وقال ابن حجر: وقول الذهبي لا يدري من هو، مع من روى عنه من الأئمة ووثقه من الحفاظ عجيب، وما أعرف للمؤلف سلف في ذكره في الضعفاء ثم قال: هذا اللفظ تفرد به زياد بن أيوب -وهو ثقة- عن ابن عيينة والمحفوظ من رواية الحفاظ عن ابن عيينة (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ثم قال: والظاهر أن رواية كل من زياد بن أيوب وأشهب منقولة بالمعنى، والله أعلم (لسان الميزان ٥/ ١٥٦). قلت: وهو كذلك والأمر واضح للناظر.
[ ٢٤ ]
جانب لخصائصها، وببقية القرآن لما فيه من العظمة والخير والبركة والإعجاز؛ والله أعلم.