تفسير: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
قال ابن عباس - ﵁ -: هو الشكر والاستخذاء (١)، لله والإقرار بنعمته، وهدايته وابتدائه وغير ذلك (٢)، ومعناه: الشكر خالصًا لله جل ثناؤه دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد سبحانه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه سبحانه، فصحح فيهم الآلات لطاعته، ومكن جوارح وأجسام المكلفين من أداء فرائضه، مع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرا، ومن هنا جاءت (الحمد) معرفة بالألف واللام؛ لأن لها معنى لا يؤديه قول القائل: (حمدا) بإسقاط الألف واللام وذلك أن دخولهما في (الحمد) لاستغراق الجنس من
_________________
(١) فيه معنى الانكسار والاسترخاء والذل، والخضوع والانقياد، انظر (اللسان ١٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦ وترتيب القاموس ٢/ ٢٥).
(٢) أسند أبو جعفر الطبري (جامع البيان ١٤/ ١٣٥) وتكلم في إسناده.
[ ١٠٢ ]
جميع المحامد، والشكر الكامل لله - ﷿ -، فهو وحده يستحق الحمد بأجمعه، إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فله الحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا على الوجه الذي يرضيه سبحانه، ولهذا العموم في معنى الحمد تتابعت قراءات القراء، وعلماء الأمة على رفع ﴿الْحَمْدُ﴾ دون نصبها، الذي يحيل المعنى (١)، وقد تقدم القول في معنى لفظ الجلالة ﴿اللَّهِ﴾.
﴿رَبِّ﴾: له معان كثيرة، والمراد به هنا: الخالق المالك الرازق، قال ابن عباس - ﵁ -: يقول ــ يعني جبريل - ﵇ - ــ: قل الحمد لله، الذي له الخلق كله، السماوات كلهن ومن فيهن، الأرضون كلهن من فيهن، وما بينهن، مما يعلم ومما لا يعلم (٢).
﴿الْعَالَمِينَ﴾ جميع المخلوقات مما تقدم بيانه، مماعلم ومما لا يعلم، مالكهم الله - ﷿ -، وكل من ملك شيئًا فهو ربه، والرب: اسم من أسماء الله - ﷿ -، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، ومن العلماء من قال: إنه الاسم
_________________
(١) انظر توثيقه في (جامع البيان ١/ ١٣٥، ١٢٨ - والجامع لأحكام القرآن ١/ ١٣٣) بتصرف.
(٢) انظر (جامع البيان ١/ ١٤٢، ١٤٣) في إسناده بشر بن عمارة: ضعيف، ومعناه صحيح.
[ ١٠٣ ]
الأعظم لكثرة الداعين به، فليتأمل ذلك في القرآن الكريم، كما في آخر سورة آل عمران، وسورة إبراهيم، وغيرهما لما يشعر به هذا الوصف من الصلة بين الرب والمربوب، مع ما يتضمنه من العطف والرحمة، والافتقار إليه في كل حال (١).
النظرة الثالثة والعشرون