مقاصد الفاتحة:
من المعلوم لأهل العلم، وأصحاب الخبرة في البحث والنظر أنه لو ذهب بعضهم يتتبع مقاصد الفاتحة، ويستجلي ما تضمنت من غايات لأمكنه أن يكتب الكثير من الفوائد العلمية، ونحن في هذا نسدد ونقارب لغرض الإفادة، والتوجيه والدلالة لمن أراد الزيادة في البحث والإمعان فيه.
إن سورة الفاتحة تضمنت من المقاصد والمعاني والدلالات، ما لم تتضمنه سورة من سور القرآن
_________________
(١) في شعب الإيمان، حديث (٢١٥٤) وفيه انقطاع.
[ ٣٩ ]
الكريم، وقد ضم القرآن الكريم علوم الكتب السماوية وزاد عليها.
ففي الفاتحة، الثناء الجميل على الله - ﷿ - بما هو أهله، على صفة الكمال المطلق، بأسمائه وربوبيته وصفاته تعالى، والاستعانة به وحده لا شريك له، وإخلاص العبادة له، والتوجه إليه تعالى بالطلب والدعاء، وهذا كله مقاصد القرآن الكريم، تناوله حديث (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ) (١)، ومن خلال البحث والنظر في هذه السورة العظيمة ظهرت عدة مقاصد، وخلاصتها في ثلاثة أمور:
١ - أن الفاتحة تضمنت مقاصد القرآن كله على سبيل الاجمال.
٢ - أنها تضمنت مقاصد السورة الواحدة.
٣ - أنها تضمنت مقاصد الآيات.
أما مقاصد القرآن فقد ذكر العلماء أنها في أربعة أمور:
١ - الإلهيات.
٢ - النبوات وقصص الأمم السابقة.
٣ - الأوامر والنواهي والأحكام.
٤ - المعاد وما بعده (٢).
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم، حديث (٣٩٥).
(٢) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (١/ ٨).
[ ٤٠ ]
ومقاصد السورة الواحدة: مثاله ما تضمنته الفاتحة وهو ما ذكرنا في مستهل هذا المبحث.
أما مقاصد الآيات: فقد ورد في كثير من الآيات التوجيه إلى الحِكَم النظرية، والأحكام العملية، وذلك في معرفة الطريق المستقيم وسلوكه، ومجانبة طريق الشقاء، ومعرفة مراتب الأشقياء والبعد عنها (١)، ويمكن أن يسمى هذا بالجانب العلمي، والجانب العملي، وسورة الفاتحة تضمنت آياتها الجانبين، فنصفها الأول علمي، والثاني عملي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ إلي آخر السورة. وفيما يلي نورد تحليلا لهذه المقاصد في الفاتحه حسب ما فهمنا من دراسة أقوال العلماء.
الإلهيات:
هذا المقصد العظيم، تضمنه قول الله ﷾: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
تضمنت الأسماء والصفات والأفعال، فوجهت إلى معرفة الله - ﷿ -، ومعرفة صفاته وأفعاله.