القول في تفسير: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
إن قول الله - ﷿ -: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هي الآية الأولى على ما نراه راجحا من أقوال العلماء ﵏، فالله ﷾ أدب نبيه محمدًا - ﷺ -، بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وأقواله وجميع مهامه، وجعل النبي - ﷺ - ما أدبه به ربه تعالى سنة لأمته يستنون بها، وسبيلا يتبعونه عليها، فباسمه تعالى يكون افتتاح أوائل منطقهم، ومطالع رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم، حتى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ من مراده الذي هو محذوف (٢)، فأصبح المسلم ذاكرًا لله - ﷿ - في كل شؤونه، فيقول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ (٣)، أقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ وأكتب، وأقعد وأقوم، وأنام
_________________
(١) الآية (٤٦) من سورة مريم.
(٢) جامع البيان (١/ ١١٤) بتصرف.
(٣) تكتب بغير ألف (بسم الله) استغناء عنها بباء الإلصاق، في اللفظ والخط لكثرة الاستعمال، بخلاف قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآية (١) من سورة العلق، لم تحذف الألف لقلة الاستعمال (جامع البيان ١/ ٩٩).
[ ٩٥ ]
وأصحو، وأدخل وأخرج، وآكل وأشرب، وأسافر وأعود وغير ذلك من الأقوال والأفعال، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ﴾ (١)، وقال رسول الله - ﷺ -: (أغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله، وخمّر (٢)، إناءك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله) (٣)، وقال - ﷺ -: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن قدر بينهما ولد في ذلك، لم يضره شيطان أبدًا) (٤)، وقال لعمر بن أبي سلمة: (يا غلام سم الله وكل بيمينك) (٥)، وقال: (إن الشيطان
_________________
(١) الآية (٤١) من سورة هود.
(٢) التخمير: التغطية، ومنه خمرت المرأة رأسها ووجهها: إذا غطتهما وسترتهما، والوكاء: الحبل الذي يشد به فم السقاء (القربة).
(٣) أصله في الصحيحين من حديث جابر - ﵁ - بالشطر الأول منه، انظر: صحيح الإمام البخاري، حديث (٥٦٢٣) وصحيح الإمام مسلم، حديث (٩٧) ..
(٤) أخرجه الإمام البخاري، حديث (٣٢٧١).
(٥) أخرجه الإمامان البخاري ومسلم من حديث عمر بن أبي سلمة، انظر: صحيح الإمام البخاري، حديث (٥٣٧٦) وصحيح الإمام مسلم، حديث (١٠٨).
[ ٩٦ ]
ليستحل الطعام إلا بذكر اسم الله عليه) (١)، وقال: (من لم يذبح فليذبح بسم الله) (٢).
إن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يتبرك بها كل مؤمن ومؤمنة، ويحرص كل منهما على أن يكون ذكرها دائما على لسانه، حتى عند عثور الدابة، أو اصطكاك القدم يبادر إلى قول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
أخرج أبو داود بسند رجاله ثقات، من حديث رديف النبي - ﷺ - قال: كنت رديف النبي - ﷺ - فعثرت دابته فقلت: تعس الشيطان، فقال: (لا تقل تعس الشيطان فإنك إذا قلت ذلك تعاظم، حتى يكون مثل البيت، ويقول: بقوتي، ولكن قل: بسم الله، فإنك إذا قلت ذلك تصاغر حتى يكون مثل الذباب) (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم، حديث (١٠٢) من حديث حذيفة - ﵁ -.
(٢) أخرجه الإمام مسلم، حديث (١٢٣) من حديث جندب بن سفيان البجلي - ﵁ -، وهو عند البخاري من حديثه دون التسمية (صحيح البخاري، حديث (٥٥٦٢) لكنها في رواية أبي عوانة كما ذكر الحافظ في الفتح (١٢/ ٥٣٧) وللمزيد لمن رغب ينظر الجامع لأحكام القرآن (١/ ٩٧).
(٣) في سننه (٤٩٨٢) وانظر الجامع لأحكام القرآن (١/ ٩١، ٩٢) وعزاه للنسائي وكذلك عزاه المنذري، وهو في اليوم والليلة كما في تحفة الأشراف ١١/ ١٦٥ حديث (١٥٦٠٠).
[ ٩٧ ]
فإذا علم ما تقدم بيانه وتدوينه فإن ما تنشرح إليه النفس هو قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأنها آية من سورة الفاتحة، فيقرأ بها سرا في الصلاة عملا بما ثبت من حديث أنس وغيره، وإلى هذا ذهب جمع من الصحابة والتابعين والأئمة العلماء من بعدهم، منهم عمر، وعلي، وابن مسعود، وعمار، وابن الزبير، ﵃، وهو قول الحكم وحماد، وبه قال الإمام أحمد بن حنبل، وأبو عبيد، وروي عن الأوزاعي، وذكره القرطبي وقال: هذا قول حسن وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد، ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة (١)، ولم نتعرض لأقوال العلماء في الإبانة عن الاسم، أهو المسمى أو غيره، أو صفة له؟، وما ذهب إليه أهل الحق، أن الاسم هو المسمى (٢).
تفسير لفظ الجلالة:
﴿اللَّهِ﴾ هو الذي يألهه (٣)، كل شيء، أي: ذو الألوهية والعبودية على خلقه
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (١/ ٩٦).
(٢) انظر (الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٠١، ١٠٢).
(٣) أي يعبده كل شيء، قال رؤبة في ديوان ١٦٥٠): لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي أي من تعبدي، انظر (جامع البيان ١/ ١٢٣).
[ ٩٨ ]
أجمعين (١)، وهذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم، ولم يتسم به غيره سبحانه.
ولذلك لم يثنّ ولم يجمع (٢).