الفاتحة شفاء وأخذ الأجرة على الرقية بها جائز:
ما أكثر ما يعتل الإنسان روحًا وجسدًا وقد أخبر الباري - ﷿ - أن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين (١)، وثبت النقل عن الرسول - ﷺ - أن الفاتحة يستشفى بها فليكن المسلم موقنا بذلك وليحرص على الاستشفاء بالقرآن وأوله الفاتحة وليحذر كل الحذر مجانبة المنهج النبوي في ذلك.
أخرج الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أن ناسا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا في سفر، فمروا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فلم يضيفوهم فقالوا لهم: هل فيكم راقٍ؟، فإن سيد الحي لديغ أو مصاب، فقال رجل منهم: نعم فأتاه فرقاه (بفاتحة الكتاب) فبرأ الرجل، فأعطي قطيعًا من غنم فأبى أن يقبلها، وقال: حتى أذكر ذلك للنبي - ﷺ -، فأتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال: يا رسول الله والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب فتبسم - ﷺ - وقال: (وما أدراك أنها رقية؟ !، ثم قال: خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم) (٢)، وأخرجه الإمام البخاري بزيادة: (فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع ريقه
_________________
(١) قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ الإسراء آية (٨٢).
(٢) حديث (٦٥) ويستفاد من هذا وجوب تحري الحلال، والبعد عن الشبهات والمحرمات في المكاسب.
[ ٣٧ ]
ويتفل فبرأ) (١)، وهذه الزيادة عند مسلم، ولكني ذكرتُ رواية مسلم أولا لورود القصة فيها بأتم.
أخرج البيهقي بسنده من حديث عبد الله بن جابر - ﵁ - قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو يبول فوقفت عليه فقلت: السلام عليك، فلم يرد عليّ، ثم قلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ، ثم قلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليّ.
قال: ونهض ودخل بعض حجره، قال: فملت إلى اسطوانة في المسجد وأنا كئيب حزين، فبينا أنا كذلك إذ خرج رسول الله - ﷺ - فتوضأ، قال: فأقبل حتى وقف عليّ، ثم قال: (وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، عليك السلام ورحمه الله، ثم قال: يا عبد الله بن جابر، ألا أخبرك بخير سورة نزلت في القرآن؟، قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: فاتحة الكتاب).
قال علي: وأحسبه قال: (فيها شفاء من كل داء) (٢).
قلت: عليّ هو: علي بن هاشم بن البريد، وقد أخرج الدارمي ما قال عليّ هذا، من مرسل عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله - ﷺ -: (فاتحة الكتاب شفاء من كل داء) (٣)، ولا يبعد أن يكون واسطته من الضعفاء،
_________________
(١) حديث (٥٧٣٦).
(٢) في شعب الإيمان (٥/ ٦٠٥ - رقم ٢١٥٢).
(٣) في مسنده المعروف بسنن الدارمي (٢/ ٣٢٠).
[ ٣٨ ]
فدلسه بالإرسال فإنه ثقة تغيّر، وربما دلس. وأخرجه البيهقي (١).
هذا وفي الفاتحة وفضائلها أحاديث كثيرة منها الثابت الصحيح والضعيف والموضوع واقتصرنا على بعض ما صح وثبت عن رسول الله - ﷺ - بغية إفادة القارئ وما ذكرنا مما تكلم فيه العلماء أبنّا علته، فسورة الفاتحة هي أفضل السور بالنص على ما مر ذكره، وبالمعنى على ما سيأتي، وهي أجمع سورة للخير، زادنا الله بها فهما وعلما وعملا.