تفسير الاستعاذة:
معنى الاستعاذة: الاستجارة، وتأويل قول القائل: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" أستجير بالله من الشيطان، أن يضرني في ديني، أو يصدني عن حق يلزمني لربي - ﷿ - (٢).
تأويل قوله: (من الشيطان): الشيطان في كلام العرب: كل متمرد من الجن والإنس والدواب، وكل شئ. قال الله - ﷿ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ (٣)، فجعل من الإنس شياطين مثل الذي جعل من الجن، ولما ركب عمر بن الخطاب
_________________
(١) انظر: التفسير الكبير (١/ ٥).
(٢) جامع البيان عن وجوه القرآن تأويل القرآن (١/ ١١١).
(٣) الآية (١١٢) من سورة الأنعام.
[ ٩٣ ]
- ﵁ - "برذونا" (١)، فجعل البرذون يتبختر به، أخذ عمر - ﵁ - يضربه فلا يزداد إلا تبخترا فنزل عنه وقال: "ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي" (٢)، وهذا يلفت النظر إلى دقة عمر - ﵁ - في مراقبة أحوال نفسه.
وقد سمي المتمرد من كل شئ شيطانا، لمفارقة أخلاقه وأفعاله، أخلاق سائر جنسه وأفعاله، وبعده عن الخير، وقول القائل: شطنت داري من دارك: أي بعدت، ومنه قول نابغة بني ذبيان:
نأت بسعاد عنك نوىً شطون فبانت والفؤاد بهارهين (٣)، تأويل قوله: ﴿الرَّجِيمِ﴾:
الرجيم: الملعون المشتوم؛ وكل مشتوم بقول رديء أو سب فهو مرجوم، وأصل الرجم: الرمي بقول كان أو فعل، ومن الرجم بالقول: قول أبي إبراهيم، لإبراهيم
_________________
(١) البرذون: الدابة، وسَيْرَته (البرذنة) والأنثى (برذونةً). قال الشاعر: رأيتك إذ جالت بك الخيل جولة وأنت على برذونة غير طائل لم أقف على قائله وهو في (لسان العرب ١٣/ ٥١١٤/ ٢٩٤).
(٢) أسنده أبو جعفر الطبري (جامع البيان ١/ ١١١) رجاله ثقات وهشام بن سعد حسن الحديث وهو من رجال مسلم.
(٣) للنابغة الذبياني في (ديوانه ص ٧٢).
[ ٩٤ ]
- ﵇ -: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (١)، وقد يجوز أن يكون قيل للشيطان: رجيم، لأن الله جل ثناؤه طرده من سماواته، ورجمه بالشهب.