لما قال الله - ﷿ -: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١)، دلَّ على أمر المؤمنين بقراءة الفاتحة على نحو ما سلف بيانه إن ذلك تطبيق عملي لما يجب أن يكون عليه وضع المسلمين تجاه كل آية من كتاب الله - ﷿ -، فحبل الله هو كلامه الذي أنزله على عبده ورسوله نبينا محمد - ﷺ - لهذا شغفت بالكتابة عن هذا المثال الحي الذي اجتمع على العمل به كل من آمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - نبيا ورسولا، وقد علم كل فرد منهم أن صلاته لا تقبل إلا بتلاوة هذه السورة العظيمة وتدبر ما فيها من الدلالة والخير، إلا من عذر يعفيه من ذلك، فكان هذا أمرا باعثا على جمع
_________________
(١) الآية (١٠٣) من سورة آل عمران.
[ ١٢ ]
ما ورد فيها من المقاصد والدلالة، وبسطها لعباد الله الصالحين، هذا أولا.
أما الأمر الثاني:
فلأن الله - ﷿ - امتن بالفاتحة على عبده ورسوله نبينا محمد - ﷺ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (١)، فجعلها قسيمة لبقية السور، وكان الأمر كذلك لأنها جمعت أقسام القرآن وحوتها.
الأمر الثالث:
إن معرفة معانيها ودلالاتها من العلم الضروري الذي يجب على كل مسلم أن يلم به كيما تصح صلاته وعقيدته ودعاؤه، وثناؤه على ربه - ﷿ -، واستشفاؤه بهذه السورة العظيمة، المباركة والقرآن كله عظيم مبارك عظيم.
الأمر الرابع:
إنها تدريب عملي على اجتماع المسلمين على الحق، ومن هذا المثال وجب عليهم أن يكونوا موحدين لله - ﷿ - بالعبادة، فالفاتحة تدعوهم إلى رب واحد هو معبودهم لا معبود بحق سواه.
والذي جاء بها هو محمد - ﷺ - فوجب أن يوحدوه في القدوة وفي الاتباع، وأن لا يخالفوا أمره، ولا يتجاوزوا
_________________
(١) الآية (٨٧) من سورة الحجر.
[ ١٣ ]
نهيه - ﷺ -، ولذلك قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١)، وقال الله ﷾: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣)، والفاتحة حددت لهم المنهج العملي من خلال دلالاتها ومعانيها فوجب أن يكون منهجهم واحدًا كتاب الله وسنة نبيه محمد - ﷺ -، قال الله ﷾: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ
_________________
(١) الآية (٧) من سورة الحشر.
(٢) الآية (٦٣) من سورة النور.
(٣) الآية (٦٥) من سورة النساء.
[ ١٤ ]
الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢).
ومن البواعث على هذا البحث أنني طالعت ما كتبه حول الفاتحة بعض الفضلاء، فألفيت أن الفاتحة لازالت مشرعةً أبوابها للمزيد من البحث والدراسة، ولا أدعي الكمال فيما قمت به من عمل ولكن
قدمت بعض ما وقفت عليه من كلام أهل العلم، ورمت الاختصار، فتجنبت الغوص، واكتفيت بالإبحار في لجج المعرفة والنصوص والأخبار، فاقتطفت ما تيسر من الثمار، وقدمتها للمسلمين من القارئين النظار، والسامعين الأخيار، رجاء أن ينتفعوا بها ويكونوا من الأبرار، بإذن الله الواحد القهار.