(يا أيها النبي اتق الله)
أي: أكثر من التقوى.
وقيل: أدمها.
(ولا تطع الكافرين)
فيما سألته وفد ثقيف أن يمتعوا باللات سنة.
(ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)
[ ٢ / ١١٢١ ]
أي: اعتقادين.
وقيل: نزلت في رجل قال: لي نفس تأمرني بالإسلام، ونفس تنهاني. وفي معناه للفرزدق:
٩٤٤ - فلو كنت ذا نفسين خاطرت مقبلًا بإحداهما من دونك الموت أحمرا
٩٤٥ - فإن هلكت إحداهما عشت بعدها بأخرى عست نفسي بها أن تعمرا.
الآخر:
٩٤٦ - ولو كان [لي] قلبان عشت بواحد وأفردت قلبًا في هواك يعذب
٩٤٧ - ولكنما أحيا بقلب [مروع] فلا العيش يصفو لي ولا الحب يقرب
[ ٢ / ١١٢٢ ]
ثم نقض الفرزدق هذا القول في أخرى فقال:
٩٤٨ - لكل امرئ نفسان نفس كريمة وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها
٩٤٩ - ونفسك من نفسيك تشفع للندى إذا قل من أخدانهن شفيعها.
(النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)
من بعضهم ببعض.
وقيل: أولى بهم فيما رآه لهم، منهم بأنفسهم.
(وأزواجه أمهاتهم)
في التحريم وفي التعظيم.
[ ٢ / ١١٢٣ ]
(ليسئل الصادقين عن صدقهم)
ألله كان ذلك [أم الدنيا].
[أو] ليسأل الأنبياء عن تبليغهم.
(إذ جاءتكم جنود)
لما أجلى النبي ﵇ يهود بني النضير عن ديارهم، اجتمعوا وقدموا مكة، وحزبوا الأحزاب، وتذكر قريش طوائلهم يوم بدر، وقائدهم/أبو سفيات وقائد غطفان عيينة بن حصن، وصار المشركون كلهم يدًا واحدة على رسول الله ﷺ.
وكان قد وادع بني قريظة، وهم أصحاب حصون بالمدينة، [فاحتال لهم حيي بن أخطب، ولم يزل يفتلهم في الذروة والغارب حتى نقضوا العهد، فعظم البلاء، فأشار سلمان بالمقام بالمدينة] وأن يخندق.
[ ٢ / ١١٢٤ ]
(فأرسلنا عليهم ريحًا)
كانت ريح صبا تكب القدور وتطير الأخببية.
(إذ جاءوكم من فوقكم)
عيينة في أهل نجد.
و(أسفل منكم)
أبو سفيان في قريش بجميع عددهم وعددهم.
(زاغت الأبصار)
شخصت.
ويقال: حارت.
وقيل: زاغت، أي: عن النظر إلى كل شيء [إلا] [إلى عدوها].
[ ٢ / ١١٢٥ ]
(وبلغت القلوب الحناجر)
لشدة الرعب والخفقان، فإن الحياة تنبع من القلب في الشرايين فينبض به، والخفقان حركة للقلب غير معتادة، يحس بها صاحبه حتى يقال: إنه يخرج فيها عن [غشائه]، وكان بلوغ القلوب الحناجر منه.
كما قال زهير:
٩٥٠ - يصعد من خوفها الفؤاد فما يرقد بعض الرقاد صاحبها.
وقيل: معنى بلغت كادت تبلغ، إذ القلب لو زال عن موضعه لمات صاحبه.
وأفسد ابن الأنباري هذا التأويل، وقال: كاد لا يضمر ألبتة ولو جاز إضماره لجاز "قام زيد" بمعنى كاد يقوم، فيصير تأويل "قام زيد": لم يقم زيد.
والتأويل صحيح غير فاسد، لأن إضمار "كاد" أكثر من أن يحصى، ولكنه بحسب الموضع المحتمل، ودلالة الكلام.
[ ٢ / ١١٢٦ ]
ألا ترى أنك تقول: أوردت عليه من الإرهاب ما مات عنده، أي: كاد يموت، ومنه قول جرير:
٩٥١ - إن العيون التي في طرفها مرض يقتلننا ثم لا يحيين قتلانا
٩٥٢ - [يصرعن] ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا
أي: كدن يقتلننا ويصرعن.
(وتظنون بالله الظنونا)
هذه الألف لبيان الحركة.
[ ٢ / ١١٢٧ ]
وكذلك في قوله: (الرسولا) و(السبيلا)، لأنه لو وقف بالسكون لخفي إعراب الكلمة، فيوقف بالألف، كما يوقف بها في قوافي الشعر، وكما تدخل الهاء لبيان الحركة في: (ماليه) و(حسابيه). (وإذ قالت طائفة منهم)
وهم بنو سليم.
(يا أهل يثرب)
وهي المدينة.
وقيل: المدينة بعض منها.
(يقولون إن بيوتنا عورة)
وهم بنو حارثة.
[ ٢ / ١١٢٨ ]
(ثم سئلوا الفتنة)
الرجوع عن الدين.
(وما تلبثوا)
أي: عن الإجابة إلى الفتنة (إلا يسيرا)
وقيل: ما تلبثوا حتى يهلكوا.
(هلم)
أصله "لم" أي: لم بنا، ثم دخلت عليها هاء التنبيه، فصار "هالم"، فحذفت الألف تخفيفًا.
(أشحة عليكم)
أي: [بالخير] والمواساة.
(سلقوكم)
بلغوا في أذاكم بالكلام الموحش كل مبلغ.
(أسوة حسنة)
[ ٢ / ١١٢٩ ]
أي: حسن مواساة ومشاركة، إذ قاتل يوم أحد حتى [جرح، وقتل عمه] وخاصته.
([فمنهم] من قضى نحبه ومنهم من ينتظر)
أي: الموت.
قال بشر بن أبي خازم:
٩٥٣ - [قضى] نحب الحياة وكل حي إذا يدعى لميتته أجابا.
وقيل: قضى نذره، ويجوز أن يكون نذر صدق القتال، وحسن العناء، كما قال كعب بن مالك الأنصاري:
٩٥٤ - قضينا من تهامة كل نحب وخيبر ثم أجممنا السيوفا
[ ٢ / ١١٣٠ ]
٩٥٥ - [نخيرها] فلو نطقت لقالت [قواطعهن] دوسًا أو ثقيفا.
وقيل: قضى نحبه، أي: قضى حاجته وبلغ هواه، كما قال جرير:
٩٥٦ - بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا عشية [بسطام] جرين على [نحب].
(وكفى الله المؤمنين القتال)
[ ٢ / ١١٣١ ]
[لما] اشتد الخوف يوم الأحزاب أتى نعيم بن مسعود مسلمًا من غير أن علم قومه، فقال ﵇: "إنما أنت فينا رجل واحد وإنما غناؤك أن تخادع عنا، فالحرب خدعة".
فخرج حتى أتى بني قريظة، وكان نديمهم، فذكرهم وده، وقال: إن قريشًا وغطفان من [الطارئين] على بلادكم، فإن وجدا نهزة وغنيمة أصابوها،
[ ٢ / ١١٣٢ ]
وإلا لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل، ولا قبل لكم به، فلا [تقاتلوا] حتى تأخذوا رهنًا من أشرافهم، ليناجزوا القتال.
ثم أتى قريشًا وغطفان فذكرهم وده لهم، فقال: بلغني أمر أنصحكم فيه، فاكتموا علي، إن معشر اليهود ندموا، وترضوا محمدًا على أن يأخذوا منكم أشرافًا ويدفعوهم إليه، ثم يكونون معه عليكم.
فوقع ذلك من القوم، وأرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة: أنا لسنا بدار مقام، وهلك الخف والحافر، فلنناجز محمدًا فطلبوا رهنًا، [فقالت] قريش وغطفان: إن حديث نعيم لحق. وتخاذل القوم، واتهم بعضهم بعضًا (وكفى الله المؤمنين القتال). (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم)
من حصونهم.
[ ٢ / ١١٣٣ ]
عن قتادة: نزل جبريل ورسول الله في بيت زينب بنت جحش، يغسل رأسه، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة سلاحها منذ أربعين ليلة، [فانهد] إلى بني قريظة، فإني قطعت أوتارهم، وقلعت أوتادهم، وتركتهم في زلزال وبلبال، فحاصرهم النبي ﵇، ثم قتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم.
(تردن الحياة الدنيا وزينتها)
قال الحسن: تطلعت نفس بعض نسائه إلى الدنيا، فنزلت الآية.
[ ٢ / ١١٣٤ ]
(يضاعف لها العذاب)
لأن النعمة عندهن بصحبة الرسول أعظم، والحجة عليهن ألزم. وقال أبو عمرو: أقرأ بالتشديد للتفسير بضعفين، ولو كان مضاعفة لكان العذاب ثلاثًا أو أكثر.
وبينه أبو عبيدة فقال: التضعيف: جعل الشيء ضعفين، والمضاعفة: أن يجعل إلى الشيء شيئين.
(فلا تخضعن بالقول)
لا تلينه.
(قولًا معروفًا)
صحيحًا غليظًا، غير مؤنس مطمع.
[ ٢ / ١١٣٥ ]
[(وقرن)
من] وقر يقر وقورًا ووقارًا، إذا سكن واطمأن، أي: كن ذوات وقار فلا تخففن بالخروج من البيوت.
ويجوز من قر بالمكان يقر.
وكان اقررن فتركوا حرفًا من التضعيف، كما قالوا: "ظلت" في "ظللت".
ثم نقلوا حركته إلى القاف، واستغنوا عن [ألف] الوصل فصار "قرن"، وإن شئت قرن، كما قرئ (ظلت عليه عاكفًا) بالكسر والفتح.
[ ٢ / ١١٣٦ ]
(ولا تبرجن)
لا تظهرن المحاسن.
وقيل: لا تمشين بين يدي الرجال.
(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله)
في زينب بنت جحش وكانت ابنت عمة رسول الله، خطبها لزيد بن حارثة، فامتنعت وأخوها عبد الله.
[ ٢ / ١١٣٧ ]
(وإذ تقول للذي أنعم الله عليه)
أيضًا فيها.
(وتخفي في نفسك ما الله مبديه)
من الميل إليها وإرادة طلاقها.
وقال الحسن: هو ما أعلمه الله أنها ستكون زوجته.
(فلما قضى زيد منها وطرًا)
[ ٢ / ١١٣٨ ]
أي: من طلاقها، عن قتادة.
وعن مقاتل: من نكاحها.
والرواية الصحيحة: ما حدث أنس أنه خطبها لرسول الله، ثم قبل العقد، خطبها لزيد، لما كان من أمر زيد، واختيار رسول الله على أبيه، وقول رسول الله: آثرني على [أبيه]، فسأوثره على ما أخطب لنفسي، وأزوج منه ابنت [عمتي]، لئلا يسبقني أحد إلى فضل، فأجابت المرأة على كراهة شديدة، وما وافقتها صحبته، [لما] تقدم لها من رغبة رسول الله فيها.
وأوحى الله إليه [لتنكحنها ولتصيرن] من أمهات المؤمنين، فذلك الذي كان يخفيه عن زيد حياءً، إلى أن أمره الله.
[ ٢ / ١١٣٩ ]
(وكان أمر الله قدرًا مقدورًا)
جاريًا على تقدير وحكمة.
(ما كان محمد أبا أحد من رجالكم)
الحسن والحسين إذ ذاك [لم] يكونا رجلين.
(ودع أذاهم)
اصبر.
وقيل: لا تحزن، وكلهم إلينا فأنا حسبك وحسيبهم.
[ ٢ / ١١٤٠ ]
(من عدة تعتدونها)
تفتعلون من العد، أي: تحسبونها، عددت واعتددت، مثل: حسبت واحتسبت.
(ترجي)
تؤخر.
(وتئوي)
تضم.
ومعناهما: الطلاق والإمساك.
وقال الحسن: النكاح وتركه.
(ومن ابتغيت ممن عزلت)
أي: طلبت إصابته بعد العزل (فلا جناح).
[ ٢ / ١١٤١ ]
(ذلك أدنى أن تقر أعينهن)
أي: إذا علمن أنك لا تطلقهن، وأنك لا تتزوج عليهن.
(لا يحل [لك] النساء من بعد)
أي: من بعد هؤلاء التسع، والمعنى فيه أنه لما خيرهن فاخترنه، أمر أن يكتفي بهن.
وإنما جاء لا يحل بالياء للذهاب إلى الجمع في النساء، لا الجماعة، أو إلى ضمير مضاف محذوف.
كأنه: لا يحل لك نكاح النساء، أو جميع النساء، أو شيء من النساء.
(غير ناظرين إناه)
غير منتظرين حينه ووقته.
(ذلك أدنى أن يعرفن)
أي: الحرة من الأمة.
وقيل: الصالحات من المتبرجات.
[ ٢ / ١١٤٢ ]
(ءاذوا موسى)
اتهموه بقتل هارون، فأحياه الله فبرأه ثم مات.
(إنا عرضنا الأمانة)
على طريق المثل والاستعارة، أي: لو كانت السموات والأرض من أهل الأمانة، لأشفقن منها مع عظيم هيئتها، ووثاقة [بنيتهما]، كما قال:
[ ٢ / ١١٤٣ ]
٩٥٧ - أما وجلال الله لو تذكرينني [كذكريك] ما نهنهت للعين مدمعا
٩٥٦ - فقالت: بلى والله ذكرًا لو أنه تضمنه صم [الصفا] لتصدعا
إلا أن الشعر وأمثاله معلق بشرط "لو يكون"، فيجوز أن يقال: إنه لا يكون.
وعرض الله الأمانة قد كان، لأنه من المحال أن يقول: (عرضنا الأمانة)، ولم يعرضها لا مجازًا ولا حقيقة.
فعند ذلك يقدر محذوف في (فأبين)، أي: فأبين خيانتها بدليل قوله ﷿: (قالتا أتينا طائعين).
وتكون الأمانة ما أودعها الله في العالم من دلائل التوحيد أن يظهروها، فأظهروها، [إلا] الإنسان فإنه جحدها، وحمل الخيانة فيما حمل من الأمانة.
[ ٢ / ١١٤٤ ]
أو يقال: إن هذا العرض، بمعنى المعارضة، أي: عورضت السموات والأرض، وقويست بثقل الأمانة، فكانت الأمانة أوزن وأرجح، لعظم مقدارها، وتغليظ أحكامها.
(فأبين أن يحملنها) لم يوازنها، (وأشفقن منها) أي: خفن، على المجاز، كما قيل:
٩٥٩ - يريد الرمح قلب أبي براء ويرغب عن دماء بني عقيل.
وعن القاضي أبي القاسم الداوودي: أن هذه الأمانة هي القوى الثلاثة، التي في الإنسان: قوة العقل، وقوتا الشهوة والغضب، فإنه لم يحمل جميعها من بين السموات والأرض أحد سوى الإنسان. وهذا الإنسان الضعيف الظلوم الحامل ما [لا] تحمله السموات والأرض من هذه القوى الثلاثة المتضادة، شبه في رموز الحكماء ببيت فيه ملك، وخنزير وسبع، فالملك عقله، والخنزير شهوته، والسبع غضبه.
وقالوا: أي الثلاثة غلبت فالبيت له.
[ ٢ / ١١٤٥ ]
فليت عقله إذًا ثبت لمغالبة العدوين الذين يجاذبانه إلى هلاكه ختلًا، ويساكنانه أبدًا.
وأما إذا كان ناقصًا جهولًا ضعيفًا بين قويين ظلومين على ما هو الأغلب في الناس، فهناك كل شر وفساد، [إذ] قيل: ويل للقوي بين الضعيفين، فكيف للضعيف بين القويين.
[تمت سورة الأحزاب]
[ ٢ / ١١٤٦ ]