(فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)
أولُها. عاشرُ ذِي الحجةِ منْ سنةِ تسعٍ، وأخيرُها: عاشرُ شهر ربيعٍ
الأخر.
قالَ الحسنُ: كانت مدةُ النداءِ بالبراءةِ فِي الأربعةِ [الأشهرِ] لِمَنْ ليسَ لهُ
عهدٌ، وأمَّا مَنْ لَهُ عهدٌ [فإِلى] تمام مِدتِه كمَا قالَ:
(فَأتمُّوَا إليهم عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ)
[ ٥٧٧ ]
وقيلَ: كانَ منْهُمْ مَنْ عهدُه اْكثرُ منْ أربعةِ أشهرٍ فَحُطَّ إليهَا، وهُمْ
[البادِئُونَ] بالعزمِ على النكثِ. ومَنْ كانَ عهدُه أقلَّ، وهُمُ الأوفياءُ رُفِعَ إليهَا.
والمشركونَ الذينَ لا عهدَ لهُمْ فيقاتلونَ بعدَ انقضاءِ الأشهِر الحرمِ المعهودةِ،
ولا ينظرونَ تمامَ النداءِ، وكانَ القتالُ إذْ ذاك في الأشهر الحرمِ محرمًا، كمَا
قالَ:
(فإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ)
(إلاَّ)
حلفًا وعهدًا.
[ ٥٧٨ ]
وقيلَ: مودةً ووصلةً. وكِلا المعنَيَيْنِ يحتملُه قولُ خفافٍ:
٤٦٥ - أَعَبَّاسُ إِنَّ الَّذِي بَيْنَنَا أَبىَ أَنْ [يُجَاوِزَهُ] الأَربَعُ
٤٦٦ - عَلائِقُ مِنْ حَسِبٍ دَاخِلٍ معَ الإلِّ والنَّسَبِ أَرفَعُ
وأعيدَ:
(لا يرقبون)
لأنَّ الأول فِي جميع الناقضينَ للعهدِ.
والثانِي: فِي الذِينَ اشتروا بآياتِ اللهِ، وهُمْ قومٌُ أطعمَهُمْ أبُو سفيانَ
ليصدُّوا النَّاسَ عَن الإسلام.
[ ٥٧٩ ]
(أَلاَ تُقَاتِلوُنَ قَوْمًَا نكَثُوا أَيْمَانَهُمْ)
يعنِي قريشًا إذ غَدَرُوا بخزاعَة.
(ولَمَّا يَعْلَمِ اللهُ)
لمَّا يفعلْ: نفيُ الفعلِ معَ تقريبِ وقوعِه. ولمْ يفعلْ: نفيٌّ بغيرِ إيذانٍ
بوقوعِه. ومعنَى الآيةِ: أمْ حسبْتُمْ أنْ تترَكُوا ولمْ تجاهِدُوا؛ لأنَّهم إذَا جاهدُوا
علمَ اللهُ ذلكَ منْهُم.
[ ٥٨٠ ]
(وَلِيجَةً)
خلطاءَ يناجونَهُم، الواحدُ والجماعةُ فيهِ سواءٌ.
وقيلَ: الوليجةُ: الدخيلةُ والبطانةُ، الَّذِي يدخلُ فِي باطنِ أمرِ الرَّجلِ.
(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر)
وأهلُ الكتابِ يقرُّونَ بالنَّشْأةِ الآخرةِ، لكنَّ إيمانَهم على غيرِ علمٍ ولاَ
استبصارٍ، وبِخلافِ مَا وصفَ رسولُ الله - ﷺ - منْ أحوالِ اليومِ الآخرِ، ومِنْ مدَّةِ
العذاب.
(عَن يَدٍ)
عن قهرٍ واستعلاءٍ منكُمْ عليهِمْ.
قالَ أبُو عبيدةَ: كلُّ مَنْ أطاعَ لقاهرٍ بمَا يعطيِه عَنْ ذلٍ وضرورةٍ، أَو هوىً
[ ٥٨١ ]
وصبابةٍ، فقَدْ أعطَاهُ عَنْ يدٍ. قالَ الشاعُر:
٤٦٧ - لَم [أَعْطُهَا] عَنْ يَدِي إِذْ بِتُّ اَرْشُفُهَا إلا تطَاوَلَ غُصْنِ الجيدِ للجِيدِ
٤٦٨ - كمَا تطَاعَمَ فِي خَضراءَ نَاعَمةٍ مُطَوَّقَانِ أَصَاخَا بَعْدَ تَغْرِيدِ
وقيلِ: إنَّ المرادَ يدُ المَؤدِّي، فإن الذِّمِيَّ يلبَّبُ، ويقامُ بينَ يدَيْ مَنْ يأخذُ
الجزيةَ حتى يؤدِّيها عَنْ يدِهِ. وهذَا تأويلُ الصغارِ.
وعَن هذَا سقطَتْ بالموتِ والإسلامِ عندَنا؛ لأَنَّ الاستيفاءَ عَنْ يدهِ
[ ٥٨٢ ]
-وعلى هذِه الصورةِ- لا يُتَصَوَّرُ فكأنَّه تعاَلى قالَ: قاتلُوهُمْ حتَّى يذلُّوا ذلًا يبقَى
على الأيامِ، وِفي أقلِّ هذا الهوانِ ما يزيدُ على كثيرٍ مِن العذابِ والقتلِ. فسقطَ
قولُ الطاعنِ فِي سقوطِ القتلِ عنهُم بعرَضٍ يسيرٍ لا يعبأُ به.
٤٦٩ - أَلَمْ تَرَ أنِّي لا تُبَلُّ رَمِيَّتِي [فَمَنْ] أَرْم لا [تُخْطِيء] مقَاتِلُـ[ـه] نَبْلِي
٤٧٠ - رأَيْتُكَ لا تحْمِي عِقَالًا ولَمْ تُرِدْ [قِتَالًا] [فمَا لاقَيْتَ] شَرّ مِن القَتْلِ
ألا ترَى أنَّ بنِي تغلبَ لمَّا عثَرَتْ على هذا [الذُّلِّ] المبير المبينِ كيفَ أَبَتْ
[ ٥٨٣ ]
عنها إلى القتالِ، وأرسلَتْ [إلى] عمرَ ﵁: بأنَّا أشرعْنَا [إليكَ
الأَسِنَّةَ] الرهاقَ دونَها. فأجابَ عمرُ: إذًا أجزُرُكُمْ جزرَ العُبْرِ المعافيرِ،
كعادة اللهِ في سَواكُم، ثُمَّ رضُوا بالخمسِ من المعشورِ، والضعفِ مِن المصدرقِ
، وهيَ على الاضعافِ مِنْ جِزَاهُمْ، وأرسلَ عمرُ بالمصدقِ إليهِم، ولمْ يكلفْهُم أَن
يعطُوها عَنْ يدٍ كمَا قالَ بعضُ مصدِّقيهِ:
٤٧١ - غَدَتْ منْ أُوَى فَيْحَانَ [مَلْمُومةُ] الذُّرىَ غرائِبُ مِنْ آلِ تَغْلِبَ والنَّمِرْ
[ ٥٨٤ ]
٤٧٢ - يَؤُمُّ أبَا حَفْصٍ ودُوَن لِقَائِه قُرَى النيبِ فالصَّمَّانِ مِن جَبَلَيْ حَجزْ
وجريُرٌ كثيرُ التنبيهِ على معارِّ الجِزْية مِثلُ قوله:
٤٧٣ - أَدِّ الجِزَى وَدعِ الفَخَارَ بتَغْلِبٍ واخْسَأْ بِمَنزلِةِ الَّذليِلِ الصَّاغِرِ
وقولهِ:
٤٧٤ - أُرِيدَكُمُ مسَيحَ الصَّلِيبِ إذَا دَنَا هِلاَلُ الجِزَى فاسْتَعْجِلُوا بالَدَّرَاهِم
٤٧٥ - لنَا كُلَّ عامٍ جزيُة [تَتَّقِي] بِهَا عَليْكَ وما تَلقىَ مِن الذُّلِّ أَبْرَحُ
[ ٥٨٥ ]
وقولهِ:
٤٧٦ - ويسْعَى الَتغِلبِيُّ إذَا اجْتَبَيْنَا بِجزيتِهِ وَينْتَظِرُ الهِلالاَ
وقولهِ:
٤٧٧ - فَخَلِّ الفَخْرَ يا [ا] بنَ أَبِي خُليْدٍ وَأَدِّ خَرَاجَ رَأسِكِ كُلَّ عَام
إلى غيرِ ذلكَ مِنْ معانِي بديعةٍ، وألفاظٍ فصيحةٍ كلِّها معانِي قولهِ ﷿:
(عَنْ يَدٍ) وهُوَ أربعةُ أحرفٍ.
(يُضَاهِئُونَ)
يشابِهُونَ. امرأةٌ ضهياءُ لا تحيضُ يُشَبِّهُهَا بالرِّجالِ.
(قاتلهم الله)
[ ٥٨٦ ]
كما قالَ عَبِيد بنُ الأبرصِ:
٤٧٨ - قاتَلَها الله تلحَاِني وقَدْ عَلِمَتْ أَنّي لِنَفْسِي إِفسَادِي وِإصْلاحِي
(يُحمى عليها)
يوقدُ عليَها.
(في كتاب الله)
[أي]: اللَّوحُ المحفوظُ.
[ ٥٨٧ ]
(ذلك الدين القيم)
الحسابُ [الـ] مستقيمُ.
(فلا تظلموا فيهن أنفسكم)
[بإحلالِها].
وقيلَ: بمعصيةِ اللهِ فِيهَا.
وقيلَ: بأَنْ تتركُوا فِيها قتالَ عدِّوكُمْ.
(إنما النسيءُ)
[ ٥٨٨ ]
يجوزُ مصدرًَا بمعنَى النَساءِ [كالنذيرِ]. وفاعلًا كالبشيرِ. أيْ: النَّاسيءُ
ذو زيادةٍ فِي الكفرِ، وهوُ النَّاسيُء لا الَّذِي هوَ خلافُ الذاكرِ.
ويجوزُ مفعولًا كالقتيلِ والجريح، أيْ. الشهرُ المؤخرُ زيادةٌ فِي الكفرِ.
وكانوُا يؤخروَن تحريَم المحرَّم سِنةً؛ لحاجتِهم إلى القتالِ فيه.
وقيلَ: يؤخرونَ أشهَر الحجِّ كأنّهَم يستنسِؤُونَ ذلك كما تُسْتَنْسَأُ
الديونُ.
(انفِرُوا)
اخرجُوا كافةً. والنَّفْرُ والنَّفِيرُ: الخروجُ إلى الشيء لسببٍ [يبعثُ] عليهِ
[ويدعُو] إليهِ.
[ ٥٨٩ ]
(اثَّاقلتم إلى الأرض)
تثاقَلتُم إلى أوطانِكم. فأُدْغِمَتْ التاءُ في الثاءِ، ودخلَتْ ألفُ الوصلِ
للابتداء.
قالَ الواقديُّ: إنها نزلَتْ فِي منافقِيّ الأنصارِ [المتخلفيَن] عَنْ
تبوك.
(ثانيَ اثنين)
العربُ تقولُ: خامسُ خمسةٍ، ورُبَّما تقولُ: خامسُ أربعةٍ. هذا أشهرُ.
والأولُ أفصحُ. قالَ حميدُ بنُ ثورٍ:
[ ٥٩٠ ]
٤٧٩ - لِقحَ العِجَافُ له [لِسَابِع] سَبْعَةٍ وَشَرِبْنَ بعدَ [تَحَلُّوٍ] فَرَوِينَا
٤٨٠ - غَيْثٌ إذَا سِمعَ السَّحابُ هديرَهُ جاءَتْ تَوالِيهِ يَحِنُّ حَنِينَا
(انفِرُوا خِفَافًَا وَثِقَالًا)
أيْ: شبانًا وشيوخًا.
وقيلَ: ركبانًا ومشاةً.
وقيلَ: [خفافًا:] مسرعينَ، مِنْ [خَفَّ خفوفًا].
[ ٥٩١ ]
وقيلَ: خفافًا مِن الثقلِ والسلاح.
(عَرَضًَا قريبًا)
متاعًا قريبَ المأخذِ.
(وَسَفَرًَا قَاصِدًَا)
[سهلًا] مقتصدًا.
وقيلَ: ذا قصدٍ، أي: عدلٍ، غيرَ قريبٍ ولاَ بعيدٍ.
(كره الله انبعاثهم)
أيْ: خروجهم إليهَا ونهوضَهم بها.
(فَثَبَّطَهُمْ)
وقفَهم وأقعدَهم (مَعَ اَلقعِدِين) النساءِ والصبيانِ.
(خَبَالًا)
[ ٥٩٢ ]
فسادًا.
وقيلَ: اضطرابًا فِي الرَّأي.
فالأولُ أوجَهُ فِي اللغةِ. قالَ الأخطلُ:
٤٨١ - وإذَا دعَوْنَكَ عَمَّهُنَّ فإِنَّهُ نَسَبٌ يَزيدُكَ عِنْدَهُنَّ خَبَالاَ
(ولأوضعوا خلالكم)
أسرعُوا بينَكُم بالتخليطِ والإفسادِ.
وأصلُ الإيضاعِ: الإسراعُ فِي السيرِ. قالَ المخزوميُّ:
٤٨٢ - فَلَمَّا تَوَافَقْنَا وسَلّمْتُ أَقْبَلَتْ وُجُوهٌ زَهَاهَا الحُسْنُ أنْ تَتَقَنَّعاَ
٤٨٣ - تبَاَلْهنَ بالعِرْفَانِ لمّا [عَرَفْنَنِي] وَقُلْنَ امْرُؤٌ بَاغٍ أكَلَّ وأَوْضَعَا
[ ٥٩٣ ]
(ولا تَفْتِنِّي)
فِي جدِّ بنِ قيسٍ، قالَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - لا تفتنِّي ببناتِ الرُّوم فِإنِّي مستهترٌ
بالنساءِ. قالَ ذلك لقربِ تبوكَ [مِن] الروم.
[ ٥٩٤ ]
(لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا)
أيْ: بحفطها والحزنِ عليها، والمصائبِ فيها معَ عدم [الانتفاعِ] بها.
وقيلَ: بالحسرةِ عليهَا عندَ اغتنام اِلمؤمنيَن.
(وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ)
تهلَكُ وتبطلُ. [واللاُم] للعاقبةِ، فإنَّ العبَد إذَا كانَ من اللهِ فِي استدراجٍ
كثَّرَ اللهُ مالَهُ وولدَهُ وفتنَةِ بهِمَا.
(مَلْجَئًا)
[ ٥٩٥ ]
قومًا يلجؤُوَن إليهِم.
(أوْ مَغاراتٍ)
غيرانا فِي الجبال.
(مُدَّخَلًا)
سربًا فِي الأرضِ يدخلوَنهُ.
(يَلْمِزُكَ)
يعيبُكَ.
وهُوَ ثعلبةُ بنُ حاطبٍ قالَ: إنَّما يُعْطِي محمدٌ مَنْ يحبُّ.
[ ٥٩٦ ]
(للفقراءِ والمساكينِ)
[ ٥٩٧ ]
[عن] ابن عباسٍ: الفقيرُ: المحتاجُ المتعففُ عن المسألة، والمسكين
: المحتاجُ السائلُ
وقيلَ. الفقيرُ الَّذِي فَقَرَهُ الفَقرُ، كأنَّه أصابَ فقارَهُ. والمسكينُ [الذِي]
أسكنَة العدمُ وذهبَ بحركتِه.
وفِي الحقيقةِ هُمَا متقاربانِ وتكرُّرُهما [لتوكيدِ] الوصيةِ بانعادم (٧)
العاقل.
[ ٥٩٨ ]
(وَاَلعاملِينَ عَلَيْهَا)
أيْ: [السعاةُ] على الصدقاتِ.
(والمؤلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ)
مثلُ أِبي سفيانَ وابنهِ معاويةَ، والأقرعِ بنِ حابسٍ، وعيينةَ بنِ حصنٍ.
[وحكيم] بنِ حزامٍ، وأشباهِهم.
[ ٥٩٩ ]
(وَفِي الرِّقَابِ)
يعنِي المكاتبينَ يعانُونَ على بدلِ الكتابة.
وقيلَ: هُم عبيدٌ يُشترونَ بهذَا السهم فِيعتقونَ.
(وَاَلْغَرمِينَ)
الَّذِينَ لا يفِي مالُهم بدَيْنِهِم.
[ ٦٠٠ ]
(هوَ أُذُنٌ)
أيْ: صاحبُ أذنٍ يصغِي إلى كلِّ أحدٍ.
وقيلَ: أذنُ أيْ: لا يقبلُ إلا الوحيَ.
(قُل أُذُنُ خَيرٍ)
أي: يستمعُ للخيرِ ويعملُ بِه.
(ويؤمن للمؤمنين)
يصدقُهُم. كقولِه: (رَدِفَ لَكُم).
وقيلَ: إنَّه لامُ الفرقِ بينَ إيمانِ التصديقِ وإيمانِ [الأمان].
(ورحمةٌٍ).
[ ٦٠١ ]
عطفٌ على (أُذُنُ [خيرٍ) أيْ: مستمعُ خيرٍ ورحمةٍ.
ورفعُه على تقدير]: أيْ قُلْ: هُوَ مستمعُ خيرٍ وُهوَ رحمة. كقوله:
(وما أرسلناك إلا رحمة ً للعالمين)
وقيلَ: إنَّ معنَاُه ذُو رحمةٍ.
(يُحادِدِ اللهَ)
يكونُ في حدٍّ غير حدِّهِ.
(وخضتم كالذي خاضوا)
إشارةٌ إلى ما خاضُوا فيه.
[ ٦٠٢ ]
وقيلَ: أرادَ كالذينَ خاصوا، فحذف النونَ تخفيفًا لطولِ الاسم بِالصلةِ.
كمَا قالَ الأشهبُ بنُ رميلةَ، شعر:
٤٨٤ - إِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفلْجٍ دِمَاؤُهُمْ هُمُ القَوْمُ كلُّ القَوْم يِا أُمَّ خَالدِ
٤٨٥ - هُمُ ساعدُ الدَّهرِ الذَّي يُتَّقَى بهِ وما خيرُ كَفِّ لَمِ يُؤيَّدْ بِسَاعِدِ.
(ورضوانٌ من الله أكبرُ)
منْ جميعِ النِّعَم، سرورُ المؤمنُ بما يتحَققُهُ مِنْ رضوانِ اللهِ أكبر مِنْ جميعِ
النِّعَمِ.
[ ٦٠٣ ]
وروَى معاذٌ عَن النبيِّ ﵇: "إنَّ جنةَ العدنِ مِن السماءِ العليا
لا يدخلُها إلا نبيٌّ أَوْ صديقٌ أو شهيدٌ، أَوْ إمامٌ عدلٌ أو محكمٌ فِي نفسِه.
وجنّةُ المأْوَى في السماءِ الدُّنيا يأْوِي إليَها أرواحُ المؤمنينَ.
[ ٦٠٤ ]
(يحلفون بالله)
في الجُلاَسِ بنِ سويدِ بنِ الصامت قالَ: إنْ كانَ قولُ محمدٍ حقًا لنحنُ
شرٌّ مِن الحميرِ، فَرُفِعَ ذلكَ للنبيِّ ﵇، فحلفَ أنَّه لم يقلْ.
(وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَهُمُ اللهُ)
وذلكَ أنَّ مولَى للجُلاَسِ قُتِلَ، فأمرَ لَهُ النبيّ ﵇ بديتِه، فاستغنَى
بها.
(فأعْقَبَهُمْ نِفَاقًا)
[ ٦٠٥ ]
أيْ: بخلُهم بحقوقِ اللهِ، إلى يوم يِلقَونَ بخلَهُم.
وقيلَ: أعقبَهُم الله ذلكَ بالخذلانِ وحرمانِ التوبة.
وقيلَ: معناهُ جازَاهُم ببخلِهم وكفرِهم. كمَا قالَ النابغةُ:
٤٨٦ - فَمَنْ أَطَاعَ فَأَعْقبهُ بِطَاعَتِهِ كمَا أطَاعَكَ وَدلِّلْهُ علَى الرُّشْدِ
(الذين يَلْمِزُون المُطَّوِّعِينَ)
ترافدَ المسلمون بالنفقاتِ في غزوةِ تبوك على أقدارِهم، فجاءَ علبةُ بنُ زيدٍ
الحارِثيُّ بصاعٍ مِن تمرٍ، وقالَ: إنِّي أجَّرْتُ نفسِي بصاعَيْنِ ذهبتُ بأحدِهما
[ ٦٠٦ ]
لعيالِي وجِئْتُ بالآخرِ صدقة. فسخرَ منهُ المنافقونَ.
[ ٦٠٧ ]
(إن تستغفر لهم سَبْعِينَ مَرَّةً)
جاءَ على المبالغِة دونَ التقدير؛ لأنَّ السبعةَ أكملُ الأعدادِ؛ لأنها [جمعَتْ]
معاِنيَ العددِ كلِّه، لأن العددَ كلَّه أزواجٌ وأفرادٌ، والأزواجُ منها أولُ وثاِني،
والثلاثةُ أولُ الأفرادِ، والخمسةُ فردٌ تالٍ، فإذَا جُمِعَ فردٌ أولٌ إلى زوجٍ ثانٍ، [أو]
زوجٌ [أولٌ] إلى فردٍ ثانٍ كانت سبعةً.
يبينُ ذلكَ أنَّ الستةَ لأولُ عددٍ تامٍ، لأنَّه إذَا جُمِعَتْ أجزاؤُها كانت مساويةً
لهَا؛ لأنَّ لهَا نصفًا وهُوَ ثلاثةٌ، [وثلثًا] وهُو اثنانِ وسدسًا وهُوَ واحد. فإذَا
[ ٦٠٨ ]
جُمِعَتْ هذِه الأجزاءُ كانَتْ ستةً سواءً. ثمَّ أُخِذَ الواحدُ الَّذِي هُوَ أصلُ العددِ معَ
الستةِ التِي هيَ عددٌ تامٌ، كانت منهُمَا السبعةُ. وكانَت [عددًا] [كاملًا] لأنَّه
ليسَ بعدَ [التمامِ] إلاَّ الكمالُ.
ولعلَّ واضعَ اللغةِ سمَّى الأسدَ بالسبعِ؛ لكمالِ قوتِه، كمَا سمَّاهُ أسدًا
لإسآدِهِ فِي السيرِ.
فإذَا ثبتَ هذا، فسبعينَ مرةً فِي الآيةِ يكونُ غايةَ الغايةِ وكمالَ النهاية؛ لأنَّ
الآحادَ غايتُها العشراتِ، فكأنَّ المعنَى إنَّ الله لا يغفرُ لهمُ وإنْ استغفرْتَ أبدًا.
وهذا هُوَ الجوابُ عنْ قولهِ: (وَفُتحَت أَبْوابُهَا). (وَثَامِنُهُم كَلْبُهُمْ)
فإنَّ واوَ الثمانيةِ واوُ الاستننافِ! لأنَّ الشيءَ إذَا انتهَى إلى كماِله وجبَ
استئنافُ حاِله.
[ ٦٠٩ ]
(خِلافَ رَسُولِ الله)
أيْ: على مخالفتِه.
وقيلَ: بعدَهُ وخلفَه. كمَا قالَ الهذليُّ:
٤٨٧ - [فإِنْ] تَبْكِ فِي رَسْم اِلدِّيارِ فإِنَّها دِيَارُ بَنِي عَوْفٍ وهَلْ عَنْهُمُ صَْبرُ
[ ٦١٠ ]
٤٨٨ - فمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أَعِيشَ خِلَافَهُمْ بِسِتَّةِ أَبْيَاتٍ كمَا نَبَتَ [الِعتْرُ]
(ولا تصلِّ على أحدٍ منهم)
فِي عبدِ اللهِ بنِ أبي بنِ سلولٍ.
(الخَوَالِفِ)
النساءِ والصبيانِ لتخلِفهِمْ عَن الجهادِ.
[ ٦١١ ]
(وجاء المُعَذِّرُونَ)
أي: المقصرُونَ الذينَ يظهرونَ عذرَهُمْ ولا عذرَ.
يقالُ. أعذرَ فِي الأمرِ: بالغَ، وعذَّر: قصَّرَ.
٤٨٩ - وإنْ شَلَّ رُعْيَانُ الجميع مخافةً يَقولُ جِهارًا وْيَلكُمْ لا تُنَفِّرُ [و]
٤٩٠ - علَى رِسْلِكُمْ إنَّا سنعدِي وَراَءكُمْ ونعذُرُ إنْ يكُنْ سَِوانَا يَعذُر
(الأعراب أشدُّ كفرًا)
أيْ: أهلُ البدوِ لمِاَ فِيهِم مِنْ [جفاءِ] الطبعِ وقسوِة القلبِ.
(الدَّوَائِرَ)
دولُ الأيام وِنوبُ الأقسامِ.
[ ٦١٢ ]
(قُرُباتٍ عند الله وصلواتِ الرَّسُولِ)
﵇. أيْ: يتخذُ نفقَتَهُ ودعاءَ الرسولِ قربةً إلى الله.
(والذين اتَّبَعُوهُم بإحْسَانٍ)
مَنْ تبِعَهُمْ مِن الصحابة.
وقيلَ: مِن التابعينَ.
(مَرَدُوا عَلىَ النِّفَاقِ)
مرنُوا عليهِ وتَجَرَّدُوا عَنْ غيره.
(سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ)
فِي الدُّنيا بالجوِع والخوفِ وفِي القبرِ بالعذابِ.
[ ٦١٣ ]
وقيلَ: أحدُ العذابينِ أخذُ ماِلهم فِي جهازِ الحربِ، والثانِي أمرُهم
بالجهادِ.
(وآخرون اعترفوا)
فِي نفرٍ تخلَّفُوا عَنْ تبوك.
(عَسَى اَللهُ)
خرجَ مخرجَ الإطماعِ والإشفاقِ ليأملُوا ولا يتكلُوا.
(إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لهم)
تثبيتٌ، يسكنونَ إليَها ويعلمونَ أنَّ توبتَهم قُبِلَتْ.
(مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ)
مؤخرون محبوسونِ لِمَا ينزلُ مِن أمرِ اللهِ.
[ ٦١٤ ]
وهُم الثلاثةُ الَّذِينَ خلفُوا: هلالُ بنُ أميَة. ومرارةُ بن الربيع، وكعبُ
ابنُ مالكٍ.
(والذين اتخذوا مسجدهم ضِرارًا)
ابتداءٌ، وخبرُه (لا تَقُمْ فيه أبدًا).
وكانُوا نفرًا مِنْ منافِقي الأنصار بنُوا المسجدَ ليتفردُوا بنجَواهُم الملعونةِ.
[ ٦١٥ ]
وقيلَ: إنَّ أبَا [عامرٍ] الراهبَ راسَلهُم مِن الشام أِنْ يأتيُهم فبنَوا
مسجدَهُم إرصادًا لَهُ.
(وتفريقًا بين المؤمنين)
بأَنْ يصلِّي فيهِ قومٌ، وقومٌ فِي مسجدِ رسولِ اللهِ فبعثَ النبيُّ - ﷺ - عاصمَ
بن عدي فهدَمَهُ وأحرَقَهُ.
(لمسجدٌ أُسِّسَ على التقوى)
[ ٦١٦ ]
يعنِي مسجدَ رسولِ الله.
وقيلَ: مسجدَ قباءَ، فإنَّه أولُ مسجدٍ بُنِيَ فِي الإسلامِ.
[ ٦١٧ ]
(شَفَا جُرُفٍ)
شفيرِ الوادِي، الذِي جرَف الماءُ أصلَه، فبقيَ واهيًا لا يثبتُ عليهِ البناءُ.
وَ(هَارٍ).
مقلوبُ هائرٍ، أَيْ: ساقطٍ.
وذهبَ ابنُ جنِّي: أَنَّ [تيهورةً]-وهيَ قطعةٌ مِن الرمل- مقلوبة [هيوورَةٍ]
منْ هارَ الجُرُفُ وانهارَ.
وعن الشيباِنيِّ: ناقةٌ هايرٌ وهائرٌ إذَا سارَتْ أسرَعَتْ كالجرفِ الهائر.
[ ٦١٨ ]
وأنشدَ الحامضُ:
٤٩١ - وتَحْتِي مِنْ بَنَاتِ العيد هارٍ اَضَرَّ بِطَرقِهِ سَيْرٌ هجاجُ
٤٩٢ - حَروجُ الِمنْكَبَيْنِ منَ المطَاَيا إذَا ما قِيلَ لِلشُّجْعَانِ: عاج
وفِي معنَى الآيةِ قولُ الشماخِ:
٤٩٣ - ولمَّا رَأَيتُ الأَمرَ عَرْشَ هَوَيَّةٍ تَسَلَّيْتُ حَاجَاتِ النُّفُوسِ بشِمَّرَا
ومثلُه:
[ ٦١٩ ]
٤٩٤ - سَاقِي عرْيجَاءَ على أهوالِ
٤٩٥ - إِذَا تَتَنَزَّى فوقَ عرشٍ بالِ
(رِيبةً في قلوبهم)
خيانةً بِما أضمرُوه مِنْ تفريقِ كلمة رسولِ اللهِ.
وقيلَ: شكًا بسببِ ماراسلَهم فيهِ أبو عامرٍ، وفيهِ قول النابغةِ:
٤٩٦ - حَلفْتُ فلَم أَترُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وَراء اللهِ للمَرْءِ [مَذْهبُ]
٤٩٧ - لَئِنْ كُنت قَدْ بُلِّغْتَ [عَنِّي] خِيَانَةً لَمُبلِغُكَ الَواشِي أَغَشُّ وأَكذَبُ
(إنَّ الله اشترى)
هذا مجازٌ، لأنَّه إنَّما يشترِي مالًا يملكُه، ولكن المعنَى تحقيقُ العوضِ فِي
النفوسِ.
[ ٦٢٠ ]
(وَعْدًا عليه)
نَصَبَ (وَعْدًا)؛ لأنَّ قولَه: (اشترى) يدلُ على أنَّه وعدَ وعدًا. بَل
الوعدُ هو حقيقهُ المرادِ.
(حقًّا)
[أي]: واجبًا؛ لأنَّه صارَ كالجزاءِ، وإلاَّ فقَدْ يكونُ فِي الوعدِ ما ليسَ
بواجبٍ، وهوَ -وإنْ كانَ أوجبَهُ تعالى على نفسِه- تفضلٌ منه علينَا.
(السائحون)
الصائمونَ. وقالَ عليهِ السلاُم: "سياحةُ أُمَّتي الصومُ".
وقيلَ: المهاجرونَ.
[ ٦٢١ ]
وعن عكرمةَ: أنَّهم الذينَ يسافرون فِي طلبِ العلم.
(إلا عن موعدةٍ وعدها إياه)
كانَ أبرهُ وعدَه أنْ يؤمنَ [فـ]ـكانَ استغفارُه على هذا الوجهِ أنْ يرزقَه
الإيمانَ ويغفرَ لهُ الشركَ.
[ ٦٢٢ ]
(فلما تبين له أنه عدوٌّ لله)
بموته على شركِه.
(تبرأ منه)
أيْ: مِن أفعاِله.
وقيلَ: مِنْ استغفاِره لَهُ على هذا الوجهِ.
(لقد تاب الله على النبي والمهاجرين)
أمَّا على النبيِّ فلإذنِه المنافقينَ فِي التخلفِ عنْهُ.
وقيلَ: هوَ مفتاحُ كلامٍ لَما كانَ النبي سببَ توبتهم ذُكرَ معَهُم. كقوله:
(فأنَّ لله خمسه).
(الذين اتبعوهم في ساعة العُسرة)
أيْ: وقتِ العسرةِ إذ كانُوا منْ غزوةِ تبوك في جهدٍ جهيدٍ منْ العطش
وعوزِ الظهرِ.
[ ٦٢٣ ]
(وَضَاقَت عَليهم أنفسهم)
أيْ: الذين خُلِّفُوا مِن النبوة والجفوةِ، حتَّى أمرَ نساءهُم باعتزالِهم.
ونهَى الناسَ عَنْ مكالمتِهم.
(ثم تاب عليهم ليتوبوا)
ليدُوموا على التوبة.
وقيلَ: ليتوبَ الناسُ.
(وما كان المؤمنون لينفروا كافَّةً)
لمَّا نزلَتْ: (إِلا تنفروا يعذبكم) قالَ المنافقونَ: [هلكَ] الَّذِينَ لمْ
[ ٦٢٤ ]
ينفرَوا معه، وكانَ ناسٌ مِن الصحابةِ خرجُوا إلى قومِهم يفقهونَهُم ويعلمونَهم
الشرائعَ فنزلَتْ هذِه.
(عزيزٌ عليه ما عنتم)
شديدٌ عليهِ ما شقَّ عليكُم.
وقيلَ: ما هلَكتمُ عليهِ.
وقيلَ: ما أثِمْتُم به.
[تمت سورة التوبة]
[ ٦٢٥ ]