(لا تحلوا شعائر الله) [٢]
أي: معالم الحجِّ ومناسكه.
(وَلَا الْهَدْيَ)
ما يهدي إلى البيت، فلا يذبح حتى يبلغ الحرم.
(وَلَا الْقَلَائِدَ)
كان الرجل في الجاهلية يتقلد من لحاء شجر [الحرم] ليأمن كما قال
الهذلي:
٣١٨ - ألا أبلغا جُلَّ السَّواري ومالِكًا وأَبْلغْ بني ذِي السهم عني ويعمرا
[ ٤٠٣ ]
٣١٩ - ألم تقتلوا الحَرْجَيْنِ إذ [أعورا] لكم يمران فى الأيدي اللحاء [المضفرا]
أي: لحاء شجر الحرم تعوذًا، فأقرَّ الله هذا على الإسلام وأمر أن لا يحلّو من تقلد به.
وقيل: على عكس هذا، أي منع التقلد به وأمر أن لا تحلوا القلائد لئلا
يتشذب شجر الحرم.
[ ٤٠٤ ]
(وَلَا آَمِّينَ الْبَيْت)
أي ولا تحلوا قاصدين البيت.
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُم)
لا يحملنَّكمْ
وقيل: لا [يكسبنَّكم] وجريمةُ القوم: كاسبُهم. قال الهذلي:
٣٢٠ - بها كان طفلًا ثم أسدس فاستوى فأصبح لهما في لُهُومٍ [قَرَاهِبِ]
[ ٤٠٥ ]
٣٢١ - أُتِيح له يومًا وقد طال عمرة جريمة شيخٍ قد [تَحَنَّبَ] ساغِبِ
(شَنَآَنُ قَوْمٍ)
بغضهم وفيه ثلاث لغاتٍ: شَنَأنُ، وشَنْأن وشَنَانُ.
قال الأحوص:
٣٣٢ - إذ [ا] كنت عزهاةً [عن] اللهو والصبا فكن حجرًا من يابس الصخر جلمدا
[ ٤٠٦ ]
٣٢٣ - فما العيش إلا ما تلذُّ وتشتهي وإن لام فيه ذو الشَّنان [وفَنَّدا]
وروي: "وإن لام ذو الشنآن فيه وفندا".
(أن صَدُّوركُم)
أي: بأن صدوكم، أو لأن.
[و] عن أبي عمرو: أن فيه تقديمًا وتأخيرًا، أي. " لا يجرمنكم شنآن
قومٍ: أن تعتدوا إن صدوكم".
[ ٤٠٧ ]
(والمنخنقه)
التي تموت بالخنق.
(والموقوذة)
التي تُضربُ ضربًا مبرحًا حتى تموت تزعم المجوس أنه أرخص للحمها.
(والمتردية)
الهاوية من جبلٍ أو في بئرٍ.
(والنطيحة)
إذا نطحتها أخرى فماتت، وجاءت النطيحة بالهاء وإن كان فعيلًا بمعنى مفعول للمبالغة كالعلامة والنسابة.
(وما ذبح على النصب)
جمعٌ. واحدُها نصاب.
[ ٤٠٨ ]
وقيل: واحد. وجمعه أنصاب ونصائب. قال الفرذدق:
٣٢٤ - ومالئه الحجلين لو أن مَيِّتًا ولو كان في الأكفان تحت [النصائب]
٣٢٥ - دعته لألقى التُّرب عنه انتفاضه ولو كان تحت الراسيات الرواسب
(وأن تستقسموا)
أي: تطلبوا، من الأقسام بضرب الميسر.
(وما علمتم من الجوارح)
الكواسب أنشد الأصمعي شعر:
[ ٤٠٩ ]
٣٢٦ - بعثت قلوصي فاستجابت جوارحي وظنت ظنونا فاستحالت ظنونها
٣٢٧ - فاليت لا أنفك أبعث ناقتي بشيء سوى مرعا بادٍ طنينها
(مكلبين)
ذوي كلاب
وقيل: معلمين الكلاب الصيد كالمؤدب يعلم الأدب.
وقيل: مضرين من التضريه والإغراء على الصيد. ويكون بمعنى مكلبين.
يقال: أكلبت الكلب وأسدته: ضريته.
وقال أبو عبيدة: أكلبت وكلّبت واحد. وانشد وهو من غريب المجانس في شعر العرب:
[ ٤١٠ ]
٣٢٨ - وإني وإياها إذا ضمنها الهوى كنجمين لاحا في السماء تلالًا
٣٢٩ - أعانقها طورًا وطورًا يضمني وطورًا ككلابٍ إذا ما تلالأى
قال: [اللأى]: الثور الوحشي.
(وامسحوا برءوسكم وأرجلكم)
خفض أرجلكم على مجاورة اللفظ، كقولهم: "جحر ضبٍ خربٍ"
وهو في الشعر كثيرٌ، ومن الكلام فصيحٌ، قال دريد بن الصّمّة:
[ ٤١١ ]
٣٣٠ - فجئتُ إليه والرماح تنوشه كوقع الصياحي في النسيج المعدد
٣٣١ - [فطاعنت] عنه الخيل حتى تنهنهت وحتى علاني حالك اللون أسود
وقال الفرزدق:
٣٣٢ - ألستم عائجين بنا لعنَّا نرى العرصات أو أثر الخيامِ
٣٣٣ - [فكيف] إذا رأيت ديار قومٍ وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
[ ٤١٢ ]
فجرَّ الكرام على جوار الجيران.
وقد قُرِيءَ: (وأرجلكم)
بالنصب عطفًا على قوله: (فاغسلوا وجوهكم) وإنما يجوز مثل
هذا في الكلام الهجين المعقد والمريج المختلط، دون العربي المبين. وهل في
جميع القرآن مثل/: "رأيت زيدًا، ومررت بعمروٍ [و] خالدًا"؟!.
[ ٤١٣ ]
ولهذا قدّر الكسائي فيه تكرار الفعل، أي: "واغسلوا أرجلكم". ولهذا
قرأ الحسن (وأرجلكم) بالرفع على الابتداء المحذوف الخبر، أي: وأرجلكم
مغسولة! لئلا يحتاج إلى اعتبار المجاز توقي العطف عما يليه. فالأولى إذًا أن
يكون معطوفًا على مسح الرأس في اللفظ والمعنى، ثم نُسِخَ بدليل السنة وبدليل
التحديد إلى الكعبين؛ لأن التحديد يكون في المغسول.
قال الشعبي: "جاء القرآن بالمسح والسنةُ بالغسل".
[ ٤١٤ ]
(وميثاقه الذي واثقكم به)
أي بيعة الرسول على طاعته.
وقيل: هو ما في العقول من أدلة التوحيد (٢).
(نقيبا)
حفيظًا عارفًا، و[النَّقَّاب]: الباحث المنقر عن الشيء.
(وعزرتموهم)
عذرته أعزرُه عزرًا: إذا [حطته وكنفته].
وعزرتُه: فخّمت أمره وعظمته، فكأنه لقربه من الأرز كانت التقوية معناه
[ ٤١٥ ]
أو قريبًا منه، ونحوه حزر اللبن إذا حمض [فقوي] واشتدَّ. وكذلك الغلام
إذا قوي واشتد يقال له الحزور، وهو فعولٌ من اللبن الحازر، وهذا من تلامح
كلام العرب. ومثله (تؤزهم أزًّا) أي: تزعجهم في معنى تهزُّهم. هذا ومثله
كثيرٌ إلا أنا لسنا فيه.
(على خائنةٍ منهم)
[الخائنة] إما مصدر كالخاطئة والكاذبة، وإمّا اسم كالعافية
والعاقبة.
(ويعفوا عن كثيرٍ)
[ ٤١٦ ]
لما أخبرهم [بالرجم] من التوراة أخبرهم بعلمه غير ذلك ليتركوا
المجاحدة.
(وإنا لن ندخلها)
هى أريحا.
(كتب الله لكم)
الذين كتب الله لهم دخولها، غير الطائفة التي حرمت عليهم أربعين سنةً،
دخلوما بعد موت موسى / بشهرين مع يوشع بن نون.
[ ٤١٧ ]
(فطوعت له نفسه)
فعّلت من الطاعة، أي أطاعته وساعدته.
(من أجل ذلك)
من سبب ذلك.
(فكأنما قتل الناس جميعًا)
بما سنَّ القتل ونهج طريقه لغيره.
قال النبي - ﷺ -: "على ابن آدم القاتل أولًا كفلٌ من إثم كلِّ قاتلٍ ظلمًا".
وقال: "من سنَّ سنةً حسنةً ". الخبر، ومنه قول الهذلي:
[ ٤١٨ ]
٣٣٤ - فلا تجزعن من سنةٍ أنت سرتها فأول راضٍ سُنَّةً من يسيرها
(ومن أحياها)
أنقذها من هلكةٍ في الدين [أ] والدنيا.
(أو ينفوا من الأرض)
أي: يُحبسوا؛ لأنه لا يجوز إلجاؤهم إلى دار الحرب. قال بعض
المسجونين: فعدّ السجن خروجًا من الدنيا والنفيُ بمعناه:
[ ٤١٩ ]
٣٣٥ - خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
٣٣٦ - إذا جاء [نا] [السَّجَانُ] يومًا لحاجةٍ [عجبنا] وقلنا جاء هذا من الدنيا
(ومن يرد الله فتنته)
أي: عذابه. كقوله: (على النار يفتنون).
(ومهيمنًا عليه)
أي: أمينًا عليه.
[ ٤٢٠ ]
وقيل. شاهدًا يقال: هيمن عليه إذا شاهده وحفظه.
وهو مفيعلٌ من الأمان، مثل مبيطرٍ، ومسيطرٍ، فأبدلَتْ الهاء من الفاء
[التي] هي همزة، وليست الياء للتصغير إنما هي لحقت "فعل" فألحقته
بذوات الأربعة.
(فترى الذين في قلوبهم مرضٌ يُسارعون فيهم)
أي: في الكفار، أي في مرضاتهم وولايتهم.
(أذلةٍ على المؤمنين)
[ ٤٢١ ]
[ليّنينَ]. كما قال الراعي:
٣٣٧ - وكان عديد الحيِّ فيها ولم يكن تميل على المولى وإن كان أقْلَمَا
٣٣٨ - حِفاظًا على الأسباب حتى تخالنا أذَلَّ وإن كنا أعزَّ وأكرما/
(وإذا ناديتم إلى الصلاة)
أذَّنْتُمْ. قال أبو [دهبلٍ]:
[ ٤٢٢ ]
٣٣٩ - وأبرزتها [من] بطن مكة بعدما [أصات] المنادي [للصلاة] فأعتما
(هل تنقمون منا)
تكرهون وتعيبون. قال عبد الله بن قيسٍ:
٢٤٠ - ما نقموا من بني أميَّة إلا أنهم يحلمون إن غضبوا
٢٤١ - وأنهم معدن السماح فما يُقيمُ إلا عليهم العرب
[ ٤٢٣ ]
(وعبد الطاغوت)
الشيطان الذي سوّل لهم عبادة العجل.
فعطف الفعل على مثله وإن اختلفا في الفاعل كقوله: (شيطانًا مريدًا
لعنه الله وقال لأتخذنَّ)
وقد [قرئت هذه الحروف]. لإشكالها [بعد] وجوهٍ:
(عبد الطاغوت)
اسمٌ على فعلٍ نحو حَذُرَ وفَطُنَ.
[ ٤٢٤ ]
و"عبد الطاغوت" جمع عبيد، أو جمع عبدٍ كرهنٍ ورهنٍ. أو جمعُ
عابدٍ كبازلٍ وبُزُلٍ، وشارفٍ وشُرُفٍ.
و"عُبَّدَ الطاغوت" جمع عابدٍ و"عُبَّاد (٨) الطاغوت" كذلك كضَارِبٍ
وضُرَّاب وضُرَّبٍ.
و"عِبَاد الطاغوت" (٩) جمع عابدٍ كقائم وقِيامٍ وصائم وصيام.
و"عُبِدَ الطاعوت" (١٠) على جهالة الفاعل.
[ ٤٢٥ ]
و"عَبَدُو الطاغوت" و"عُبَدَ الطاغوت"
كحُطَم ولُبَد.
و"عَبُدَ الطاغوتُ"
أي صار الطاغوتُ معبودًا، كفقُهَ الرجل وظرف
و"عَبَدَ الطاغوت"
أي: عبدة فحذف التاء.
(وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به)
أي: دخلوا وخرجوا بالكفر لا بما أظهروه لكم.
(لولا ينهاهم)
[ ٤٢٦ ]
هلا ينهاهم. ولولا دخولها على الماضي بمعنى التوبيخ وعلى المستقبل
بمعنى التحريض. قال الأشهب بن رميله في المستقبل:
٣،
٢ - تعُدُّون عقر النِّيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكَمِيُّ المقنَعَّا
وقال أخر في الماضي:
٣٢٣ - [وألهى] بني [حمان] عسبُ عَتُودِهِم عن المجد لولا سؤدد وسماح
[ ٤٢٧ ]
(لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم)
جرى ذلك على مجاز قولهم: "هو في الخير والسعة من قرنِه إلى
قدمه".
(منهم أمةٌ مقتصدةٌ)
النجاشي، و[بحيرى]، وأمثالهما القائمون في عيسى بالحقِّ.
(إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون)
رفَعَ (الصابئون).
[ ٤٢٨ ]
على تقدير التأخير [كأنه]: "ولا هم يحزنون والصابئون كذلك".
كما قال بشر بن أبي حازمٍ:
٣٤٤ - وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم بُغاةٌ ما بقينا في شِقاقِ
أي: إنا بغاةٌ ما بقينا في شقاقٍ وأنتم كذلك. ولو كان أنتم. عطفًا على
الضمير، لكان منصوبًا وكان "إيَّاكم".
[ ٤٢٩ ]
وقال الكسائيُّ: "هو عطفٌ على ضمير [هادوا]، أي "والذين هادوا
هم والصابئون".
وقال الفراءُ: "إنما ارتفع [لضعف] عمل "إن" لاسيَّما وهو عطفٌ
على الضمير الذي [لم] يظهر فيه الإعراب".
يعني بالأول: أن قولك: إن زيدًا قائمٌ، ثم لا يتضمن معنىً زائدًا بخلاف
ليتَ ولعلَّ.
[ ٤٣٠ ]
وبالثاني: إنَّ العطف على الضمير غيرُ مطردٍ حتى لا يجزىء في الضمير
المجرور نحو "مررتُ به وزيدٍ".
(ليمسنَّ الذين كفروا منهم)
"من" هذه لتبيين الجنس لا للتبعيض.
وقيل. معناه "إن منهم من يؤمن" فجعل الوعيد لمن بقي على الشرك.
(قد ضلوا من قبل)
عن الهدى في الدنيا.
(وضلوا عن سواء السبيل)
عن قصد طريق الجنة في الآخرة.
(قسيسين)
عابدين من النصارى، وهو من الاتّباع يقال في اتباع الحديث: يقسُّ، وفي
اتباع أثر الطريق: يقصُّ. جعلوا الأقوى لما فيه أثرٌ مشاهدٌ، كما قالوا:
الوصيلة:/ في الاتصال والمماسّةِ الحسية، والوسيلة: في القربة. وقالوا:
صعد في الجبل لما يشاهد، وسعدَ لما لا صعود فيه حسًا، ولكن فيه صعود
[ ٤٣١ ]
الجدِّ وإعلاؤه وكذلك الفسيلُ: في النخيل التي التلاقحُ والنتاجُ فيه خفيٌّ
والفصيلُ: في الإبل.
(إنما الخمر والميسر)
الخمر: [عصير] العنب [النيىء]، المشتد. وليس بالنبيذ في اللغة.
بدليل قول أبي الأسود:
٣٤٥ - دع الخمر يشربها الغواة فإنني رأيت أخاها مغنيًا بمكانها
[ ٤٣٢ ]
٣٤٦ - وإلا [يكنها] أو تَكُنْهُ فإنه أخوها غَذَتْهُ أمُّه [بلبانها]
والشيء لا يكون أخا نفسه، والميسر: تداول المال بالقمار والخطار،
مأخوذٌ من تيسير أمر [الجزور] بالمناهدة، والقمر.
[ ٤٣٣ ]
قال المازني:
٣٤٧ - فقصرتُ يومهم بِرَنَّةِ شارفٍ وسماع مدجنةٍ وميسر جازر
(إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا)
الاتقاءُ الأوّل: فعل الاتقاء، والثاني: دوامه، والثالث: اتقاءُ مظالم
العباد؛ بدليل ضمّ الإحسان إليه.
[ ٤٣٤ ]
(فجزاءُ مثل ما قتل)
أي الواجب الجزاءُ الذي هو مثل ما قتل، فيكون الجزاء والمثل بمعنى
واحد، وإضافة الجزاء إلى المثل من إضافة الشيء إلى نفسه مثلُ (حقُّ
اليقين)، و(حبل الوريد) أي: الحقُّ الذي هو اليقين.
وقيل: المثل صلة في الكلام؛ لأنَّ عليه جزاء المقتول، لا جزاء مثله. كما
قال دريد بن الصّمّة:
٣٤٨ - وقاكِ الله يا بنت آل عمروٍ من الأزواج أمثالي ونفسي
٣٤٩ - وقالت إنه شيخٌ كبيرٌ وهل نبأتُها أنِّي ابنُ أمْسِ
[ ٤٣٥ ]
وقال معوذ الحكماء:
٣٥٠ - حملتُ حمالة القرشي عنهم ولا ظلمًا أردتُ ولا اختلابا
٣٥١ - سبقت بها قدامة أو سميرًا ولو دُعيا إلى مثلٍ أجابا
(يحكم به ذوا عدلٍ)
سأل أعرابي محرمٌ عمر في خلافته، قال: قتلتُ غزالًا؟ فأقبل عمر على
عبد الرحمن بن [عوفٍ]: أيُّ شىءٍ فيها؟ فقال: جفرة وهي الصغيرة من
[ ٤٣٦ ]
الضأن، كالعناق من المعزى. فانتقل الأعرابي وهو يقول: لم يعلم أمير
المؤمنين ما فيها حتى سأل، فدعا [هُ] عمر وعلاه بالدرة: تقتل الصيد وأنت
حرمٌ وتغمط [الفتيا] يالكع، ألم تسمع اللهَ يقول؟: (يحكم به ذوا عدلٍ
منكم).
[ ٤٣٧ ]
(صيدُ البحرِ)
هو الطريُّ (وطعامه) المالحُ.
(قيامًا للناس)
عمادًا وقوامًا. قلبت الواوُ ياءً لكسرةِ ما قبلها.
والمراد: ما في المناسك من منافع [الدين]، وما في الحجِّ من معايش
قريشٍ وأهل مكة، وما في الحرم والشهر الحرام، وسوقِ الهدي، والتقليد من
أمنة الخائفين.
(ذلك لتعلموا)
أي: لتعلموا أن من علم أموركم قبل خلقكم، وما يجرى من التفاسد
والتغاور بينكم، فجعل لكم حرمًا يؤمن اللاجيءَ إليه، ويقيم معيشة الثاوي
[ ٤٣٨ ]
فيه بالمتاجر المربحة والمواسم الجامعة [ويقرب] العبد من نيلِ الرضى، والفوز
بالمغفرة، ويؤلف الحال في القرب المختلفة، وما يختص بتلك [المواقف] الشريفة
هو الذي يعلم ما في السموات والأرض، ولا يضيع عملًا ولا يخيبُ أملًا.
البحيرةُ: المشقوقةُ والأذن، كما قال:
٣٥٢ - وأمسى فيكم عِمران يمشي يزينُ كأنه جَمَل بحيرُ
٣٥٣ - يرُوحُ بدارِ مضيعةٍ ويغدوا سلِيبًا ليس في يده نقير
وإنما البحيرة للجاهلية هي الناقة نُتِجَتْ خمسةَ أبطنٍ، فإن كان أخرها
سقبًا: أي ذكرًا، أكلوه وبحروا أذنَ النّاقةِ، وخلوها ترعى لا تحلبُ ولا تركب،
وإن كانت الخامسة أنثى صنعوا بها هذا الصنيع دون أمّها.
[ ٤٣٩ ]
والسائبة! الإبل تسيّبُ بنذرٍ، أو بلوغِ راكبِها عليها حاجةً في
[نفسه]. كما قال ابن رواحة:
٣٥٤ - إذا بلغتني وحملت ظهري مسيرة أربعٍ دون الحساء
٣٥٥ - فشأنك فانعمي وخلاك ذمّ ولا أرجع إلى أهلي ورائي
[ ٤٤٠ ]
الوصيله: الشاةُ ولدت سبعة أبطنٍ، فإن كان ذكرًا أكله الرجال، وإن كان
أنثى أُرسلت في الغنم، وكذلك إن كان ذكرًا وأنثى، وقالوا: وصلت أخاها.
والحامِي: الفحل يضربُ في الإبل عشر سنين فيخلّى ويصيّرُ [ظهره]
حمىً لا يركبُ.
وقيل: الحامي: الذي نتج ولده.
(عليكم أنفسكم)
نصبٌ على الإغراء، أي "احفظوا أنفسكم" والإغراء بـ عليك وإليك وعندك
ودونك".
(لا يضركم من ضلَّ)
[ ٤٤١ ]
أي: في الآخرةِ، أما الإمساك عن إرشادِ الضالِّ وترك المعروف فلا سبيل
إليه، كذلك فسرّه أبو بكر الصديق ﵁.
(شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت)
أي: أسبابه.
(اثنان)
أي شهادة اثنين ذوي عدلٍ.
(أو آخران من غيركم)
[ ٤٤٢ ]
من [غير] ملتكم إن كنتم في السفر ولم يحضر غيرهما، ثم نسخ،
فيحلفان بعد صلاة العصر؛ إذ هو وقت يعظّمُه أهل الكتاب.
(لا نشتري يه ثمنًا) قليلًا
لا نطلب عوضًا.
(ولو كان ذا قربى)
أي المشهود عليه وإن كان قريبًا لا نُبالي بأن نشهد بالحق.
[ ٤٤٣ ]
وقيل: بأنَّ هذه شهادة حضور الوصية لا شهادة الأداء.
وآخران من غيركم على هذا القول وصيّان من غير قبيلتكم، والوصيُّ
يحلف عند الخلاف والتّهمة لا الشاهد.
(فإن عُثِرَ على أنهما استحقا إثمًا)
أي: إنْ اطّلع على أنَّ الشاهدين اقتطعا بشهادتهما أو يمينهما على
الشهادة إثمًا، حلفَ أوليان بالميت -أي: بوصيته- على العلم أنهما لم يعلما
من الميت ما ادعيا عليه وأنّ أيمانهما أحقُّ من أيمانهما،
(من الذين استحق عليهم)
أي: بسببهم الإثم على الخيانة، وهم أهلُ الميِّت هما الأوليان بالشهادة
من الوصيين.
[ ٤٤٤ ]
وقيل: بل المفعول الوصية وهم أهل الميّتِ أيضًا.
فهذه زبدةُ تفسير الآية على إشكالها.
وأما إعرابُها: فارتفاع (شهادة بينكم) [بالابتداء] وخبره: (اثنان
ذَوَا عدلٍ)، واتسع في بين -وإن كان ظرفًا- فأضيف إليه المصدرُ كما
اتسع في قوله: (لقد تقطع بينكم) وقيل بل يقدرُه على حذفٍ في أوّله.
أي: "كتب عليكم إن شهد منكم اثنان".
و(الأوليان)
ارتفاعه على الابتداءِ، وإن أخّرَه، وتقديره: "فالأوليان بالميّت آخران من
أهله يقومان مقام الخائنين اللذين [عثرَ] على خيانتهما".
[ ٤٤٥ ]
ويجوز أن يكون خير ابتداءٍ محذوفٍ كأنه: فآخران يقومان مقامهما [هما]
الأوليان، أو يكون بدلًا من الضمير الذي في (يقومان) كأنه فيقوم
الأوليان. وبدلُ المعرفة من النكرة جائزٌ، وإن كانت لا يجوز.
وقال الأخفش: (الأوليان) صفةٌ لقوله: (فآخران) والأوليان معرفةٌ
وآخران نكرةٌ، ولكنّه جاز ذلك لأن النّكرة الموصوفة تقاربُ المعرفةَ، وهذه النكرة
موصوفةٌ بقوله: (يقومان مقامهما).
(قالوا لا علم لنا)
[ ٤٤٦ ]
أي بباطنِ أمورهم الذي وقع عليه المجازاة بدليل قوله: (إنك أنت علام
الغيوب).
وقيل: إن ذلك لذهولهم عن الجواب لشدة ذلك اليوم المهول.
(وإذ أوحيت إلى الحواريين)
ألهمتهم.
وقيل: ألقيتُ إليهم. وأصلُ الوحيِّ: الإلقاء السريع، ومنه الوحا:
السرعة. والأمر الوحي: [السريع].
(هل يستطيعُ ربُّك)
أي: هل يطيعُ ربك إن سألت. استطاع بمعنى أطاع.
وقيل: هل يستجيب.
[ ٤٤٧ ]
ويعضهم أجراه على ظاهره: أي هل يقدر على معنيين، أحدهما: أنهم
سألوا ذلك في ابتداءِ أمرِهم قبل استحكام معرفتهم وإيمانهم.
والثاني: أنه بعد إيمانهم [لـ] مزيد اليقين. ولذلك قالوا:: (وتطمئن
قلوبنا) كما قال إبراهيم: (ولكن ليطمئن قلبي).
(وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم ءأنت قلت)
إنما جاء: (إذ قال) وهو أمرٌ مستقبلٌ، وإذ لما مضى؛ لإرادة
التقريب؛ ولأنه كائنٌ لا يحول دونه حائلٌ، وإنما يقول الله ذلك، توبيخًا
لأمته. وقيل: إعلامًا له بهم؛ لئلا يشفع لهم.
(وإن تغفر لهم)
[ ٤٤٨ ]
معناه تفويض الأمر إلى الله، ولذلك وصله بالعزيز الحكيم دون الغفور
الرحيم.
(هذا يومُ ينفع)
رفع (يوم) على الإشارة إلى اليوم، كقولك: هذا يومُ الجمعة.
وحكى البياريُّ. أن ثعلبًا كان يقرأُ بالنصب على قراءة نافعٍ؛ بسبب
الإضافة إلى الفعل، كما قال النابغة:
٣٥٦ - على حين عاتبتُ المشيبَ على الصِّبَا وقلتُ أَلَمَّا [تصحُ] والشيب وازِعُ
[ ٤٤٩ ]
فذكرتُه للمبرد فخطّأه. وقال. إنما يجوز البناء على الفعل الماضي كما في
شعر النابغة، ولا يجوز على المضارع لأنه كالاسم.
[ ٤٥٠ ]
ولكنّ نافعًا ينصبه على الظرف، ومعنى الإشارة لا يمنع الظرف.
فكأنه: "قيل: هذا القولُ في يوم ينفعُ الصادقين".
[تمت سورة المائدة]
[ ٤٥١ ]