(واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)
أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها.
وقيل: أسألك بالله وبالرحم.
[بين] ذلك افتتاح الكلام بخلقهم من نفس واحدة، وهو يدعوا إلى التعاطف والتواصل في الأرحام وحفظ النساء والأولاد.
وهذا أولى من كسر الأرحام عطفا على الضمير في (به) لفظا؛ لأنه
[ ٣٤٣ ]
لا يعطف على الضمير المجرور لضعفه، ألا ترى أنه ليس للمجرور ضمير منفصل.
[ ٣٤٤ ]
(وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم)
أي أدرك من النساء، كما يقال: طابت الثمرة: إذا أدركت. فيكون المراد التحذير من ظلم اليتيمة، وأن الأمر في البالغة أخف، كما روي أن عروة سأل عائشة عن الآية، فقالت: "هي اليتمية في حجر وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويقصر في صداقها".
وقيل: كانوا يتحرجون في أمر اليتامي ولا يتحرجون في النساء، فنزلت.
أي: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فخافوا كذلك وإنما قال: (ما طاب) ولم يقل "من طاب"؛ لأنه قصد النكاح لا المنكوحة، أي انكحوا نكاحا طيبا فيكون (ما) بمعني المصدر.
[ ٣٤٥ ]
(مثنى وثلاث ورباع)
هذه صيغ لأعداد مفردة مكررة في نفسها، وكذلك منعت الصرف لما عدلت عن وضعها الأول في اللفظ والمعنى.
ألا ترى أن الواحد لما لم ينقسم من الوجه الذي قيل له: بأنه واحد وأحاد، منقسم بالكثرة المشتركة على [آحاد] غير منقسمين، وكذلك مثنى وثلات، كل لفظ منها محمول على الكثير في ذلك العدد. قال الهذلي:
٢٧٥ - ولكنما أهلى بواد أنيسه ذئاب تبغى الناس مثنى وموحد
[ ٣٤٦ ]
(تعولوا)
تجوروا. روته عائشة ﵂ عن النبي صلى الله عليه.
ومن فسره بكثر [ة] العيال، فقد حمله على المعني لا على اللفظ
[ ٣٤٧ ]
العيال، وإنما هو من قولهم: عال الميزان إذا رجحت إحدى كفتيه على الأخرى، فكأنه إذا كثر عياله ثقلت عليه نفقتهم.
وقيل: تميلوا. قال الفرزدق:
٢٧٦ - ترى الغر [الجحاجح] من قريش إذا ما الأمر في الحدثان عالا
٢٧٧ - قياما ينظرون إلى سعيد كأنهم يرون به هلالا (صدقاتهن نحلة)
[ ٣٤٨ ]
يقال صَدُقَةٌ وصُدُقة وصداق وصداق. وسئل ثعلب: أن النحلة كلها هبة، والصداق فريضة؟ فقال: كان الرجل يصدق امرأة أكثر من مهر مثلها، فإذا طلقها أبى إلا مهر مثلها فبين الله أن تلك الزيادة -التي كانت في الابتداء تبرعا ونحلة- وجبت بالتسمية كمهر المثل.
وقيل: نحلة: هبة من الله للنساء.
(هنيئا مريئا)
هنأني الطعام ومرأني، فإذا أفردت قلت: أمرأني.
(قياما)
قوما، كما يقال: طال طيلك وطولك.
[ ٣٤٩ ]
(ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف)
قال ابن عباس: " [قرضا] ثم يقضيه إذا وجد".
وقال الحسن: "لا يقضي ما صرفه إلى سد الجوعة وستر العورة".
[ ٣٥٠ ]
(وللنساء نصيب)
نزلت حين كانت العرب لا تورث البنات.
(إنما يأكلون في بطونهم نارا)
[ ٣٥١ ]
لما كانت غايتهم النار، كما قيل فيمن أخذ الدية:
٢٧٨ - وإن الذي أصبحتم تحلبونه ثم غير أن اللون ليس بأحمرا
وقال آخر:
٢٧٩ - وما كنت أخشى خالدا دمه على مكللة الشيزي تمور وتطفح
[ ٣٥٢ ]
وفي ضده:
٢٨٠ - فلو أن حيا يقبل المال فدية لسقنا لهم سيلا من المال مفعما
٢٨١ - ولكن أبي قوم أصيب أخوهم رضي العار واختاروا على اللبن الدما
وقال آخر:
٢٨٢ - غدا ورداؤه لهق [حجير] ورحت أجر ثوبي أرجوان
٢٨٣ - كلانا اختار فانظر كيف تبقى أحاديث الرجال على الزمان
[ ٣٥٣ ]
(وسيصلون سعيرا)
صلى النار يصلى صلى: إذا لزمها.
(وسيصلون) بالضم على ما لم يسم فاعله، من أصليته نارًا: ألقيته. فيها ويجوز من صليته صلى نارًا، أو صليته، لازم ومتعد، ومنه [ا] لحديث: "أتى بشاة مصلية" أي مشوية.
(فإن كان له إخوة)
[ ٣٥٤ ]
أي الأخوان فصاعدا.
وإنما حجبت الإخوة الأم عن الثلث، وإن لم يرثوا مع الأب معونة للأب إذ هو كافيهم وكافلهم. وقد نبه عليه قوله:
(لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا)
أي لا تعلمونه والله يعلمه، فاقسموه كما أمره من يعلم المصالح والعواقب.
والكلالة: ماعدا الوالد والولد من القرابة المحيطة بالولاد إحاطة الإكليل بالرأس.
(واللاتي يأتين الفاحشة)
[ ٣٥٥ ]
منسوخة، والسبيل الذي جعل الله لهن: جلد البكر ورجم الثيب.
وابن بحر: لا يرى النسخ فيحملها على خلوة المرأة بالمرأة في فاحشة السحاق، والسبيل: التزوج والاستعفاف بالحلال.
(والذان يأتيانها)
يحملها على الرجلين يخلوان بالفاحشة بينهما.
ويستدل عليه بتثنية الضمير على التذكير دون جمعه.
(أعتدنا)
[ ٣٥٦ ]
أفعلنا من العتاد، ومعناه أعددناه من العدة، فتبدل التاء من الدال أحدهما بصاحبه.
(أن ترثوا النساء كرها)
يحبسها وهو كاره لها ليرثها.
وقيل: ذلك على عادة الجاهلية في وراثة ولي الميت امرأته فإن شاء أمسكها بالمهر الأول، وإن شاء زوجها وأخذ مهرها.
(بفاحشة)
نشوز.
[ ٣٥٧ ]
وقيل: زنا. فيحل أخذ الفدية.
(مبينة)
متبينة، يقال: بين الصبح لذي عينين أي تبين.
قال الشاعر:
٢٨٤ - مبينة ترى البصراء فيها وأفيال الرجال وهم سواء (أتأخذونه بهتانا)
أي ظلما، كالظلم بالبهتان.
(أو بأن يبهتوا أنكم ما ملكتموه منهن.
(أفضى)
[ ٣٥٨ ]
خلا بها.
(ميثاقا غليظا)
أي عقد النكاح، فكان يقال في النكاح قديمًا: الله عليك لتمسكن بمعروف، أو لتسرحن بإحسان.
(ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم)
بمعنى المصدر، أي نكاحهم.
ثم يجوز هذا المصدر على حقيقته، فيدخل فيه أنكحة الجاهلية المحرمة على عهد الإسلام.
ويجوز بمعنى المفعول به أي لا تنكحوا منكوحة آبائكم صنع الجاهلية.
(إلا ما قد سلف)
أي لكن ما سلف فمعفو مغفور.
[ ٣٥٩ ]
وكل استثناء منقطع كان "إلا" فيه [بـ]ـمعني "لكن".
(وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم)
أي دون من تبنيتم به، إذ دخل فيه حلائل الأبناء من الرضاع.
(والمحصنات)
أحصن فهو محصن مثل أسهب فهو مسهب وألفج [فهو] [ملفج]. ثلاث شاذة.
وللإحصان معنيان: لازم ومتعد، لازم: على معنى الدخول في الحصن.
مثل: أسهل وأحزن وأسلم وآمن.
والمتعدى: على معنى إدخال النفس في الحصن، والاتفاق على الفتح
[ ٣٦٠ ]
في هذا الموضع للاتفاق على أن المراد بهن [ذوات] الأزواج، فإنهن محرمات على غير الأزواج.
(إلا ما ملكت أيمانكم)
أي: ذوات الأزواج اللاتي ملكتموهن بالسبي.
وسئل الحسن عن هذه المسألة والفرزدق عند فأنشد من شعره:
٢٨٥ - وذات حليل أنكحتا رماحنا حلالا لمن يبني بها لم يطلق
[ ٣٦١ ]
وذكرها حاتم قبله:
٢٨٦ - فما نكحوها طائعين [بناتهم] ولكن خطبناها [بأسيافنا قسرا]
٢٨٧ - وكائن ترى من ابن سبيئة إذا لقى الأبطال يطعنهم شزرا
(كتاب الله)
مصدر على غير فعله، أي حرم ذلك كتابا من الله عليكم.
(فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) من هبة الصداق أو حط بعضه أو تأخيره.
الخدن: الأليف والعشير.
[ ٣٦٢ ]
والعنت: [الزني].
وقيل: أذى العزوبة وشهوة الزني.
(وأن تصبروا)
أي عن نكاح الإماء؛ لما فيه من تعريض الولد للرق.
(يريد الله أن يخفف عنكم)
[ ٣٦٣ ]
أي في نكاح الإماء؛ لأن الإنسان خلق ضعيفا في أمر النساء.
(ولا تقتلوا أنفسكم)
أي لا يقتل بعضكم بعضا، وجعل ذلك قتل أنفسهم؛ لأن أهل الدين الواحد أو البيعة الواحدة كنفس واحدة.
وقيل: إن هذا القتل يرجع إلى أكل الأموال بالباطل، فإن ظلم غيره كان كالمهلك نفسه.
(مدخلا كريما)
يجوز اسما للموضع، ويجوز المصدر: أي ندخلكم إدخالا كريما. (ولكل جعلنا موالى)
[ ٣٦٤ ]
أي: عصبات من الورثة.
(والذين عاقدت أيمانكم)
هم الحلفاء، وكان الحليف يورث فنسخ.
[قال] مجاهد: حليف القوم يعطي نصيبه من النصرة والنصيحة والعقل دون الميراث.
(الرجال قوامون)
[ ٣٦٥ ]
نزلت في رجل لطم امرأته، فهم النبي ﵇ بالقصاص. (والجار ذي القربى)
القريب.
(والجار الجنب)
الغريب.
والجنب: صفة على فعل مثل: ناقة أجد.
ويقال: ما تأتينا إلا عن جنابة. قال ابن عبدة:
٢٨٨ - فلا تحرمني [نائلًا] عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب
[ ٣٦٦ ]
ومن قرأ: (والجار الجنب) كان الجنب: الناحية، والتقدير: ذي الجنب، كما قال الهذلي:
٢٨٩ - ألفيته لا يذم الغيث جفنته والجار ذو الجنب [محبو] وممنوح
ومعنى القراءتين واحد، وهو أنه مجانب لأقاربه.
قال الهذلي:
٢٩٠ - يبيت إذا ما أنس الليل كانسا مبيت الغريب ذي الكساء المغاضب
[ ٣٦٧ ]
٢٩١ - [مبيت] الغريب يشتكي غير معتب شفيف عقوق من بينه الأقارب
(والصاحب بالجنب)
الزوجة.
وقيل: الرفيق في السفر الذي نزل إلى جنبك.
(ويكتمون ما ءاتاهم الله من فضله)
يجحدون اليسار [اعتذارا] في البخل
[ ٣٦٨ ]
(فكيف إذا جئنا من كل أمة شهيد)
أي: فكيف حالهم.
والحذف في مثل هذا الموضع أبلغ، وكان ابن مسعود يقرأ سورة النساء على النبي ﵇، فلما بلغ هذه الآية فاضت عينا رسول الله ﷺ.
(لو تسوى بهم الأرض)
أي: يودون لو جعلوا والأرض سواء، كقوله: (ياليتني كنت ترابا).
وقيل: معناه لو يعدل بهم الأرض على وجه الفداء.
([و] لا يكتمون الله حديثا)
أي: لا تكتمه جوارحهم وإن كتموه.
(إلا عابري سبيل)
[ ٣٦٩ ]
أي: لا يدخل المصلى -أي المسجد- إلا مجتازا، ولم يذكر المصلى لدلالة الصلاة عليه.
(وكفى بالله وليا)
دخول الباء لتأكيد الاتصال؛ لأن الاسم في "كفى الله" يتصل اتصال الفاعل، فاتصل بالباء اتصال المضاف أيضا فازداد معنى. (من الذين هادوا)
تمام الصفة قوله: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا) والوقف هادوا.
[ ٣٧٠ ]
وقيل: إنه على الاستئناف، وتقديره: من الذين هادوا فريق يحرفون.
كما قال تميم بن مقبل:
٢٩٢ - وما الدهر إلا تارتان فمنها أموت وأخرى ابتغي العيش أكدح
٢٩٣ - وكلتاهما قد خط [لي] في صحيفة فللعيش أهوى لي وللموت أروح
(واسمع غير مسمع)
كانوا يقولون ذلك على أنا نريد أن لا تسمع ما تكره، وقصدهم الدعاء بالصمم، أي: اسمع لا سمعت.
(وراعنا)
[ ٣٧١ ]
كلمة شتم عندهم، ويظهرون أنهم يريدون ارعنا سمعك، فذلك اللي والتحريف.
(من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها)
أي: نمحو آثارها حتى تصير كالأقفاء ونجعل عيونها في أقفائها [فيمشون] القهقري. وفي معناه:
٢٩٤ - ألفينا عيناك عند القفا أولى فأولى لك ذا واقية وقال آخر:
٢٩٥ - وتركض والعينان في نقرة القفا من الذعر لا تلوى على متخلف
[ ٣٧٢ ]
ومثله الفتيل: القشرة التي في بطن [النواة].
والنقير للنقرة في ظهرها.
وقيل: الفتيل: ما يقتل بالإصبعين من وسخها، [والنقير]: ما ينقر بالإصبع كنقر الدينار ونحوه، ويشهد [للقولين] قول كثير:
٢٩٦ - على كل حالي جريتني فطورا مرئيا وطورا وبيلا
٢٩٧ - فلم يجد الجوز تقتادني ولا القسر وينزل مني فتيلا
[ ٣٧٣ ]
و(الجبت)
السحر.
(والطاغوت)
الشيطان.
وقيل: هما صنمان.
(بدلناهم جلودا غيرها)
أما من يقول إن الروح هو المعذب فلا سؤال عليه.
ومن قال: إنه جملة الإنسان، فجوابه: أن تبديل الجلود بإفنائها وإعادتها بعده، كحال القمر في ذهابه عند السرار، ثم عوده بعده، وكما يقال: صاغ
[ ٣٧٤ ]
له غير ذلك الخاتم، وجاء بغير ذلك اللباس.
(ظلا ظليلا)
أي: كنينا، فرقا بينه وبين (ظل ذي [ثلاث] شعب لا ظليل) وقيل: إنه كقولهم جن جنونه، وجرحت جوارحه، قال:
٢٩٨ - رأت نضو أسفار أميمة شاحبا على نضو أسفار فجن جنونها
٢٩٩ - فقالت من أي الناس أنت ومن تكن فإنك مولى أسرة لا يزينها
(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات)
[ ٣٧٥ ]
في مفتاح الكعبة أخذه النبي ﵇ يوم الفتح من بني عبد الدار.
(وأولي الأمر)
هم الأمراء، عن ابن عباس.
والعلماء عن الحسن ومجاهد وعطاء.
(وأحسن تأويلا)
عاقبة ومرجعا من آل يؤول.
(إلى الطاغوت)
[ ٣٧٦ ]
هو كعب بن الأشرف.
(وحسن أولئك رفيقا)
وحده لما دخله من معنى التمييز.
ولهذا يدخل "من" في مثله.
ويجوز توحيده على معنى الجنس والحال، كقولهم [لله درهم] فارسا أي في حال الفروسية. وهذا أولى؛ لأنه قل ما يميز بأسماء الصفات.
و(خذوا حذركم).
[ ٣٧٧ ]
أي: سلاحكم، أو معناه احذروا عدوكم.
(وإن منكم لمن ليبطئن)
أي: المنافقين؛ لأنهم يثبطون الناس عن الجهاد. ولام لمن "لام الابتداء" ولهذا دخلت على الاسم، والثانية لام القسم؛ ولهذا دخلت مع نون التوكيد على الفعل.
(كأن لم تكن بينكم وبينه)
أي: وبين محمد.
(مودة)
اعتراض بين القول والتمني، أي: بين (ليقولن) وبين (ياليتني كنت معهم).
[ ٣٧٨ ]
(في بروج مشيدة)
قصور مجصصة. والشيد: الجص.
وقيل: مبنية في اعتلاء وارتفاع. شاد البناء وأشاده وشيده.
وعن السدي: إنها بروج السماء.
وعن الربيع: إنها قصر في السماء.
[ ٣٧٩ ]
وفي معناه قال الهذلي:
٣٠٠ - يقولون لو أن كان بالرحل لم يمت نشيبة والأنباء يكذب قيلها
٣٠١ - ولو أنني استودعته الشمس لاهتدت إليه المنايا عينها ودليلها
(ويقولون طاعة)
أي: منا طاعة، أو أمرنا طاعة.
كما قال المخزومي:
٣٠٢ - [فقالت] على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
[ ٣٨٠ ]
(لا تكلف إلا نفسك)
أي: إلا فعل نفسك.
(شفاعة حسنة)
يعني الدعاء للمؤمنين.
والشفاعة السيئة: الدعاء عليهم.
والكفل: النصيب.
والمقيت: الحفيظ المقتدر أقاته يقيته.
(فما لكم في المنافقين فئتين)
أي: مختلفين فيهم، طائفة تقول: هم منا، وطائفة [تقول] ليسوا منا.
[ ٣٨١ ]
وانتصاب (فئتين) على الحال، كما تقول: مالك قائما في حال القيام.
وبعضهم ينصبه على معني خبر كان، كأنه قال: كم لبثت قائما. (أركسهم)
وركسهم، ردهم ونكسهم.
[ ٣٨٢ ]
(إن الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق)
أي يدخلون في قوم أمنتموهم.
نزلت في بني مدلج، كان بينهم وبين قريش عهد، فحرم الله من بني مدلح ما حرم من قريش.
(أو جاءوكم حصرت صدورهم)
أي: ضاقت، وحصرت صدورهم نصب على الحال، كقولك: جاءني فلان ذهب عقله. ويجوز على معني الدعاء، فيكون اعتراضا.
[ ٣٨٣ ]
(أُركسوا فيها)
وجدوا راكسين فيها، أي مقيمين عليها.
(إلا خطئا)
استثناء منقطع بمعنى لكن.
(وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق)
أهل الذمة من أهل الكتاب.
(درجات)
[ ٣٨٤ ]
نصبها على البدل من قوله:
(أجرا عظيما)
(فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم)
جاء عسى فيمن يعفي عنه ترهيبا وتصعيبا لأمر غيرهم، كما قيل:
٣٠٣ - ولم تر كافر نعمي نجا من السوء ليت نجا الشاكر ومثله:
٣٠٤ - بقربك داران مهد ومتان ودارك ثالثة تهدم
٣٠٥ - فليت السلامة للمنصفين تدون فكيف لمن يظلم
[ ٣٨٥ ]
(مراغما)
متسعا لهجرته كأنه موضع المراغمة، كالمزاحم: موضع المزاحمة. (فيميلون عليكم ميلة واحدة)
أي يحولون.
(فإذا اطمأننتم)
رجعتم إلى الوطن، أو أمنتم العدو.
(كتابا موقوتا)
فرضا مؤقتا.
(يختانون أنفسهم)
[يخونون] بها، بأن [يجعلوها] خائنة.
(هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم)
[ ٣٨٦ ]
"هؤلاء" كناية عن اللصوص الذين يجادل عنهم، وهو غير "أنتم" [فلذلك] كرر.
(ومن يكسب خطيئة أو إثما)
الإثم غير الخطيئة، فإن الإثم في هذا [الموضع] ما يقتطعه الإنسان من مال من لا يجوز الاقتطاع من ماله، فيكون المعنى: من يكسب ذنبا بينه وبين الله أو ذنبا هو من مظالم العباد، فهما جنسان، فحسن دخول "أو" فيهما.
والبرئ المذكور: اليهودي الذي طرح ابن أبيرق الدرع عليه.
(أن يضلوك)
يهلكوك. قال النابغة:
[ ٣٨٧ ]
٣٠٦ - فأب مضلو [هـ] بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل
أي دافنو [هُ].
(إلا إناثا)
أي ضعافا عاجزين، سيف أنيث: كهام غير قطاع.
ألا ترى أن الإناث من كل شيء أراذله.
(مفروضا)
[ ٣٨٨ ]
معلوما.
(فليبتكن ءاذان الأنعام)
يشقون أذن البحيرة.
وقيل: يشقوها نسكا لما يعبدون من الأوثان.
(فليغيرن خلق الله)
أي: دين الله.
وقيل: ذلك التغيير بالخصاء.
وقيل: بالوشم. وكره أنس خصاء الغنم.
[ ٣٨٩ ]
(وما يتلى عليكم في الكتاب)
موضعه رفع بالابتداء، وخبره محذوف، على تقدير: "وما يتلى عليكم في الكتاب مبين" وهو في أول السورة من ذكر الميراث، وما في أثنائها وآخرها.
(إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما)
أي: الله أرأف بالفقير منكم وأعلم بحال الغني.
نزلت في غني وفقير اختصما إلى النبي ﵇، فظن أن الفقير لا يظلم الغني.
(فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا)
[ ٣٩٠ ]
أي: عن الحق.
وقيل: كراهة أن تعدلوا، أي: لا تتركوا العدل بالهوى.
(وإن تلووا)
من لوى يلوي ليا، إذا مطل ودافع. أي:
وإن تدفعوا بأداء الشهادة.
(أو تعرضوا)
أو تكتموها.
(يأيها الذين ءامنوا)
أي بالأنبياء السابقين، والكتب السالفة.
(ءامنوا)
بمحمد.
وقيل: إنه خطاب للذين وصفهم بقوله: (من الذي قالوا ءامنا بأفواههم ولو تؤمن قلوبهم).
[ ٣٩١ ]
(إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا) يعني به المنافقين، فالإيمان الأول: دخولهم في الإسلام وحقنهم به الدماء والأموال. وإيمانهم الثاني: نفاقهم بقولهم (إنا مؤمنون) مع ما عُلِمَ من نفاقهم.
وما ازدادوا من الكفر إنما هو بقولهم: (إنما نحن مستهزءون). (بشر المنافقين)
على مجاز قول الشاعر:
٣٠٧ - وخيل [قد] دلفت [لها] بخيل تحية بينهم ضرب وجيع
[ ٣٩٢ ]
[و] قول آخر:
٣٠٨ - ركبت أخاهم حتى التقينا يعج نجيعه فوق التراقي
٣٠٩ - دلفت له بأبيض مشرفي كما يدنو المصافح للعناق وقال آخر:
٣١٠ - فلولا خلة سبقت إليه و[أخو] كان من عرق [المدام]
٣١١ - دنوت له بأبيض مشرفي كما يدنو المصافح للسلام
(ألم تستحوذ عليكم)
[ ٣٩٣ ]
ألم نحط بكم للمعونة.
وقيل: نستول عليكم. استحوذ: إذا غلب واستعلى.
وكان القياس "استحاذ" مثل "استعاذ" و"استطاع"، إلا أنه جاء على الأصل من غير إعلال.
(مذبذبين) مترددين متماثلين. قال النابغة:
٣١٢ - ألم نر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
٣١٣ - بأنك شمس والملوك كواكب إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
[ ٣٩٤ ]
وقيل: إن معناه معنى قول الشاعر:
٣١٤ - خيال لأم السلسبيل ودونها مسيرة شهر للبريد المذبذب
أي المهتز القلق الذي لا يثبت في مكان، فكذلك هؤلاء يخفون تارة إلى هؤلاء وتارة إلى هؤلاء.
(فبما نقضهم)
"ما" ليست بزائدة؛ لأنا ننزه القرآن عنها.
ولكن كان: فبشيء أو أمر عذبناهم أو لعناهم، ثم فسر ذلك بما هو [بدل] عنه من نقضهم الميثاق وكفرهم، وغير ذلك.
[ ٣٩٥ ]
و(ما لهم [به] من علم إلا اتباع الظن)
أي مالهم به من علم هل كان رسولا أو غير رسول.
(وما قتلوه يقينا) ما قتلوه حقا، ولكن شبهوا على قومهم بإلقاء ثيابه على غيره تلبيسا وتدليسا.
وقيل: "ما قتلوه يقينا": ما تبينو [هـ] علما، فيرجع الهاء إلى الظن. من قولهم: "قتلت الشيء علما، [وقتلته] ممارسة وتدليلا".
قال:
٣١٥ - فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها وحب بها مقتولة حين تقتل
[ ٣٩٦ ]
وقال شقران للوليد بن [يزيد]:
٣١٦ - إن الذي ربضتما أمره سرا وقد بين للناخع
٣١٧ - لكالتي يحسبها أهلها عذراء بكرا وهي في [الـ]ـتاسع
[الناخع]: الذي قتل الأمر علما، ومنه نخع الشاة: ذبحها.
(بل رفعه الله إليه)
أي: رفعه إلى موضع لا يجري عليه أمر أحد من العباد، كقول إبراهيم: (إني ذاهب إلى ربي)، أي: إلى حيث أمرني ربي.
[ ٣٩٧ ]
(وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن)
أي: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن بالمسيح.
أحد: أبدًا فقدر في كل نفي دخله استثناء.
(قبل موته)
أي قبل موت المسيح إذا نزل من السماء.
وقيل: قبل موت الكتابي عند المعاينة، رواه شهر بن حوشب عن محمد ابن الحنيفة حين سأله الحجاج عنها، فقال: أخذتها من عين صافية.
[ ٣٩٨ ]
(المقيمين الصلاة)
نصب على المدح وهو في كلام العرب أشهر من كل شيء، فلا يصح ما
[ ٣٩٩ ]
يروى عن عائشة أنها قالت لعروة: "يا بني هذا مما أخطأت فيه الكتاب".
وقيل: تقديره: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة.
[ ٤٠٠ ]
أو تقديره: يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة، أى يصدقون بالكتاب وبالمؤمنين كقوله: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ).
ثم قوله: (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) رفع مستأنف.
(لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ)
إذ قالت اليهود لا نشهد بما أنزل الله، فشهد الله بما أظهر من المعجزات
.
(فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ)
على ضمير الجواب: أى: يكن خيرا لكم.
[ ٤٠١ ]
وكذلك قوله
(انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ)
(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا)
أي لولا تبيينه
وقيل: معناه: كراهة أن تضلوا.
[تمت سورة النساء]
[ ٤٠٢ ]